| SEMINARS | ![]() |
|---|---|
Conflict
Resolution and Negotiations In Organizations
March – June 2000
الصلح في القانون
المحامي عصام عناني
أيتها الأخوات، أيها الأخوة ، يسعدني أن أتحدث اليكم في يومي هذا، ومن موقعي هذا، عن موضوع قانوني، مع العلم أنني ومن خبرتي الطويلة في العمل أمام المحاكم كنت دائماً أشعر أن هناك قطاعات مختلفة تعادي القانون ولا تحب الحديث عنه، لأنه يمثل القيد على تحركات هؤلاء وأولئك المخالفة للقانون، بل أكثر من ذلك فهو يمثل قيداً حتى على الكثير من الرغبات الإنسانية غير القانونية0
الصلحة
وكما تعلمون فإن حديثي اليوم ينصب على المصالحة والمتعارف عليها في بلادنا باسم الصلحة، سواء كانت قانونية بمعنى أمام القضاء المدني والجزائي، أو أمام القضاء العشائري0
وللحديث عن الصلحة، لا يمكن أن يكون بدون الحديث عن النزاع لآنه لا يترتب صلحة بدون نزاع بين فريقين أو عدة فرقاء سابق على الصلحة، فإذا لم يكن هناك نزاع بين الناس فلا مكان للصلحة ولا داعي لها0
والنزاع لا يكون من فراغ، ولما كان الإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يستطيع أن يعيش منعزلاً عن الآخرين، فقد تكون المجتمع وبهذا يمكن القول أن المجتمع هو مجموعة من الأشخاص يقيمون في مكان معين لوقت غير محدد، أهدافهم واحدة، وغاياتهم واحدة ونسيجهم مشترك فيما بينهم، ومن أهم ما يجمع هؤلاء في مجتمع ما هو اللغة أو الدين أو العادات أو التقاليد أو ذلك كله0
وفي مثل هذا المجتمع الذي يعيش فيه عدد كبير من الناس، لا يمكن لتنازع الأهواء والرغبات إلا أن يحدث نزاع بين شخص وآخر، أو مجموعة وأخرى، وهذه النزاعات في الأساس لا تحل إلا عن طريق القانون الذي ينظم العلاقات والأوامر والنواهي بين أفراد المجتمع0
والتنفيذ يتم عن طريق السلطة القضائية، وهي السلطة المختصة في حل النزاعات بين الناس وفقاً لقواعد مرسومة، وكان الوضع الى ما قبل القرن الخامس عشر يحتكم الناس الى إحكام الشريعة الاسلامية، وفي أواخر العهد العثماني انحسرت سلطة الدولة في الأقاليم البعيدة، ولضمان نفوذ الدولة في الوجهاء والعائلات الكبيرة، وفي العشائر والقبائل وفي الأغنياء في المدن والقرى0 ولا أبالغ إذا قلت أن كثيراً من هذه الأمور ما تزال سارية لأن القبيلة عند العرب ما زالت تسكنهم0
وما دمنا نتحدث عن القوانين المدنية، فلا بد من لمحة سريعة عن الصعوبات التي نواجهها حتى يومنا هذا امام القضاء الفلسطيني، فعلينا أن نطبق القانون الأردني أو أجزاء منه والقانون المصري أو أجزاء منه والأوامر العسكرية الاسرائيلية، وقانون انكليزي من أيام الانتداب كقانون المخالفات المدنية وأيضاً احكام المجلة0
وبعد هذه المقدمة عن القانون لا بد أن نعرف أن القانون هو مجموعة من القواعد الآمرة أو الناهية التي قبلها المجتمع ونظمها وصدقها عن طريق ممثليه في المجالس التشريعية أو البرلمانات أو مجالس الشعب ثم يصادق عليها رؤساء السلطات التنفيذية ثم تنشر في الجرائد الرسمية ليسري مفعولها0
والقوانين هذه ليست جامدة ومتجمدة بل قابلة للتطور وفقاً لتطور المجتمع وحاجاته من سنة لسنة ومن عقد لعقد ومن قرن لآخر0
فكيف يتطور القانون
نضع أمامكم أيها الأخوة والأخوات أمثلة واقعية وليست على سبيل الحصر على كيفية تطور القانون0
فمثلاً هناك قانون يمنع القاضي بأن يحكم حسب معلوماته الشخصية، القاضي هو انسان يذهب الى الدوام صباحاً وينتهي دوامه الساعة الثانية ظهراً ، يذهب الى البيت له زوجة وأولاد وجيران، لا يجوز له أن يستمع الى زوجته التي تتحدث على لسان جيرانها بأن فلاناً هو الذي قتل أو غير صحيح أن فلاناً هو القاتل، كما كتبت عن الجرائد،فلا نسمع كلام الصحف ولا نتأثر بما يتحدثوا عنه ويتناقله الجيران والأهل، فلا يجوز للقاضي إلا أن يحكم حسب ما يقدم له في ملف القضية، ما تقدم له النيابة والدفاع من بينات يحكم بموجبها، فكان أحد القضاة الانكليز في قبرص قد تعود أن يحلق ذقنه صباحاً عند الحلاق، والمرآة عنده كبيرة، فرأى شخصاً يعرفه يحمل سكيناً وقتل شخصاً لا يعرفه، (هناك ما يسمى في القانون رجال الضابطة العدلية (الشرطة) الشرطة المتخصصة هي التي تلاحق المتهمين والمجرمين وتلقي القبض وتجمع الأدلة، وترسلها للنيابة ومن ثم ترسل الى القاضي في المحكمة، لا علاقة له وهو مستقل ، يجلس الى منصته يسمع ويكتب ملاحظاته وتقدم له المبرزات (السكين، فصيلة الدم المختبر والافادات وغيرها) وليس له علاقة بأي شيء آخر0 وبعد أن أكمل حلاقة ذقنه، ذهب الى عمله في المحكمة، التحقيقات عندنا تأخذ شهر، شهر ونصف وقد تصل الى شهرين، إذا كان هناك خلاقات بين النيابة والمدعين العامين، ثم يحول الملف بكامله بما فيه وما عليه الى القضاء عندما فتح القاضي الملف وجد أن المتهم شخص آخر غير الذي رآه في المرآه، والذي يعرفه حق المعرفة، ولم يتكلم أي شيء لأن القانون يمنعه أن يتصرف وفق أهوائه أو وفق معلوماته الشخصية التي رآها بنفسه أو سمع عنها أو حدثه الناس عنها، فاستمع الى لبينة كاملة وكانت البينة فيها اعترافات وفيها بينات ومن الصدفة أن الدم نفس الدم والفصيلة نفس الفصيلة، والسكينة نفس السكينة، والمتهم متجوز من أخت القاتل وكان يريد أن يطلقها وهناك خلافات بينهما وهدده أكثر من مرة وكل الشهود والأدلة تطابقت على هذا الشخص فحكم عليه بالإعدام، فأعدم وبعد عشرة سنوات أحيل القاضي الى التقاعد وكتب مذكراته وكانت هذه القصة إحدة قصصه التي أوردها في الكتاب، وعندها قامت الدنيا في الصحافة البريطانية ومجلس العموم البريطاني، وتقرر تعديل القانون ، وتمت الموافقة على هذا التعديل، إذا فالتعديل حصل نتيجة لحدث معين، فالقانون يتغير ويتطور الى ما يلائم الوضع الأصح، التعديل أصبح انه اذا كان لدى القاضي معلومات على درجة الأهمية عليه أن يكتب الى وزير العدلية يقول أن لديه معلومات مهمة وخطيرة تؤثر على مجريات القضية التي أمامه، ويطلب تنحيته عن النظر في القضية وتعيين قاضي آخر منتدباً بالنيابة عنه وان تسمع شهادته كشاهد عادي، هذا لم يكن موجوداً ، اذا القانون متحرك حسب تطور المجتمع وحضارة العالم من حولنا تجعله يتقدم الى الأمام0
القانون الفرنسي، يتحدث عنه (ونحن قد أخذنا عنه تشريعات في سوريه ومصر والأردن وفلسطين، الشيء الكثير لأن معظم الأساتذة الذين كانوا يدرسون القانون مثل عبد الرزاق السنهوري وفؤاد شباط وحشمت ابو سثبت، كانوا متخرجين من الصوربون)0
الاعتراف سيد الأدلة: كان الاعتراف سيد الأدلة، فعلاً ولا داعي للبحث عن أدلة أخرى، ولكن كيف تطورت النظرة لهذه القاعدة القانونية؟
طالب يقيم في قرية بجانب باريس، يدرس في جامعة الصوربون للدكتوراه سوري الأصل، سكن عند عجوز أرملة ويبدو أن القرى وفي كل مكان وزمان تثير الكلام، هذه العجوز مات زوجها وترك لها تنكة ذهب، هذه العجوز غنية فلمن الذهب بعد موتها، كان يتساءل أهل القرية، هذه العجوز لديها نقوداً وغداً سوف تموت وترثها الحكومة لأنها لم تخلف أولاداً، فلم يشاهد أحد الذهب ولم يسمع أحد أن زوجها قد ترك نقوداً، المجتمع القروي يبقى يتسلى لأنه لا يوجد لديه أي شيء آخر يتسلى به ، وفي أحد الأيام يدخل البستنجي فهو الذي يدخل الى البيت، وفي اجازة الطالب السوري في حلب، في اجازته السنوية التي هي مدة شهرين في الصيف تقتل العجوز، ويعترف البستنجي أنه قتلها لأن عنده أسرة كبيرة وأولاد كثيرون، وهو فقير ولا يعمل لديها غيره مرة واحدة في الأسبوع يوم الاثنين، لأنها تذهب الى باريس للنزهة وهو يأتي الى البيت ليعمل في البستان ولا تريد أحد غريب غيره والبيت مقفل، فلا يوجد أحد يدخل غير الطالب الذي هو في الاجازة والبستنجي الموجود، فاعترف البستنجي (من أول دقيقتين) وأقفلت النيابة الملف لأنه اعترف والاعتراف سيد الأدلة، فحكم عليه بالإعدام، وعند نهاية العطلة الصيفية حضر الطالب الذي يدرس المحاماة في باريس، وجد أسلاك شائكة أمام البيت، وعلى الباب شمع أحمر حتى لا يدخل أحد الى البيت، فتساءل من الذي أغلق الباب وكيف؟ فأغراضي كلها في الداخل، فذهب الى الشرطة وأحضروا المفتاح والمختار وفتحوا البيت، وعرض على الشرطة أن يقيم في البيت حتى آخر الشهر حتى يجد بيتاً آخر، فأعطوه فرصة حتى آخر الشهر حتى يجد بيتاً آخر، وفي خلال هذه الأيام حضرت العجوز الى البيت ووجدت الأسلاك الشائكة وصرخت متسائلة من الذي وضع الأسلاك الشائكة أمام البيت، فعندما رآها الطالب، فاجأه الموقف وأصبح يصيح بعلو صوته ونادوا الشرطة، فقالت العجوز لهم، أنا في بيتي الذي أملكه فلماذا هكذا تتصرفون أثناء طيلة الفترة السابقة كنت في باريس حيث التقت سيدة أخرى كانت معها في المدرسة أيام الصبا، وأخذتها معها الى مناطق الجبال والثلوج وغابت فترة شهرين، ثم بعد ذلك تبين أن البستنجي حاول الانتحار أكثر من مرة وفشل، خلافات بينه وبين زوجته سببها الفقر، والأولاد والمصاريف، وعندما وجهت له تهمة القتل، اغتنمها فرصة كي يدعي بأنه قتل العجوز، واعدم وارتاح من الحياة، وبهذا قالوا بأن الاعتراف سيد الأدلة، فعدلوا بذلك القانون، فقالوا يجب أن يقترن الاعتراف بما يؤكد صحة هذا الاعتراف فكان يجب ان يسألوا مثلا أين جثة المرأة التي قتلتها، أين جسم الجريمة، فلم يسألوا واكتفوا بالاعتراف، أين السكينة، أين قتلت حتى حتى يروا إذا كان هناك دم أم لا، وحتى تقترن الاعترافات بأدلة وقرائن تؤكد صحة هذا الاعتراف0
في مصر وفي قرية من القرى اسمها (دون شوان) كان هناك شخص يعرف عنه أنه عميل للإنكليز في الوقت الذي كان هناك احتلال انجليزي لمصر، الشعب العربي والشرقيين بصفة عامة إذا ادعينا عليه أي شيء فمستحيل أن تذهب هذه السمعة عنه بسهولة، والمثل العربي يقول (مجنون يرمي حجر في بير، يحتاج على مائة عاقل حتى يخرجوا هذا الحجر من البير)، فإذا قالوا عن شخص أنه عميل فقد انتهى أمره، فأراد هذا الشخص أن يتخلص من هذه التهمة (العمالة) التي نسبت اليه، فبينما هو سائر في الشارع في الليل وجد جندي انجليزي مقتول، فمسك قبعته ورماها بجانب الجثة، ومعروف عن هذا الرجل أنه لا يخلع قبعته إلا حينما ينام، فحضرت الشرطة والمختار فعرفوا صاحب القبعة بأنه قد قتل الجندي الانكليزي وهربوسقطت أثناء ذلك قبعته، وما تزال الى جانب الجندي، وعندما بدءوا بالتحقيق معه، ما من أحد صدق بأن هذا الشخص يقتل الجندي، ثم تبين أنه أراد أن يبريء،نفسه من العمالة المنسوبة اليه ولكن محاولته باءت بالفشل0
هذه أمثلة لا اكثر عن تطور قوانين المحاكم النظامية، ولكن اريد أن أتكلم عن قانون اخر يطبق في فلسطين والأردن وبعض انحاء سوريه، ولا يطبق في بلد غير عربي في العالم، واعني القانون العشائري0
القانون العشائري
وكانت العشيرة، وكانت القبيلة وكان ما يزال لكل عشيرة مختارها ورئيسها ووجهاؤها، ورغم تطور التعليم في بلادنا فللعشيرة دورها ولرئيسها دوره، وكان وما يزال اللجوء إلى أولئك الرؤساء شيء من العادات والتقاليد والأعراف، ويصدرون قراراتهم بعد سماع أقوال فريقي الشكوى أو الدعوى ومن يرتئي الرئيس من شهود آخرين، وكثيراً من الأحيان ما تكون هذه القرارات لا تتفق والقوانين التي تطبقها المحاكم النظامية0
وللقضاة العشائريين اصطلاحاتهم الخاصة بهم، فمثلاً بدلا من كلمة المدعي يقولون الطارد، وبدلا من المتهم أو المدعى عليه يقولون المطرود0
والقاضي العشائري الذي يفصل في قضايا الدم والعرض في كثير من الأحيان يختلف عن القاضي العشائري الذي ينظر في قضايا الأموال والديون0
ومن يلاحق او يتتبع القضاء العشائري كثيراً ما يسمع عن البدوة وهي التحذير والانذار من أهل المعتدى عليه لأهل المعتدي اذا تخلفوا عن اعطاء الحق فوراً ، لذلك تجري العطاوي فور وقوع الاعتداء والهدف من هذه العطاوي ايقاف المضاعفات التي قد تترتب على الاعتداء ويعتبر تخلف اهل الجاني (المعتدي) عن المبادرة في طلب العطوة من أهل المجني عليه ويعتبر بمثابة استهتار المعتدي بالمعتدى عليه وأهله والعطوة تكون عادة بجاهة عشائرية يرأسها الوجهاء وأهل الخير0
وهناك اصطلاح آخر نسمعه من حين لآخر، وهو فراش العطوة، وهو مبلغ من المال تعارف عليه العشائريون بدفعه الوسطاء لأهل المعتدي عليه من مال المعتدي وهذا المبلغ هو بداية خطوات التفاوض للتصالح بين الخصوم0
وهذه الخطوات العشائرية وتدخل القضاة العشائريون بعد دفع فراش العطوة هي التي تؤدي الى الصلحة بين المتخاصمين في لنتيجة التي قد تطول وقد يسبقها جلاء أهل المعتدي عن المنطقة التي يسكنوها ويسكنها الفريق الآخر منعاً للاحتكاك وفورة الدم0
أم الصلح أمام المحاكم النظامية فللقاضي دوره بلا شك ولأصدقاء الفرقاء دورهم الهام في الوصول الى المصالحة وتسجيلها في محضر المحكمة0
وهناك نوع آخر من الصلح يتم عن طريق التحكيم ولهذا الموضوع أهمية خاصة يمكن اختصارها فيما يلي: