INFORMATION PAPER

 


Home > Publications > Information Papers                                          Also see: English Version

 

 

 


 

د. مهدي عبد الهادي      

 

 

الـمـحـتـويـات


أولا -  الانفصال الاردني

        1- مقدمات الانفصال

        2- اجراء الانفصال

               أ-   الأسباب الاردنية

               ب- الأسباب الفلسطينية

               ج-  الأسباب العربية

               د-   الأسباب الاسرائيلية

               هـ-  الأسباب الدولية

 

ثانيا -  آثار الانفصال

        1- مسألة "الفراغ" السياسي

               أ- خطة التنمية الاردنية

              ب- مجلس النواب

              ج- وزارة شؤون الأرض المحتلة

              د- رواتب الموظفين

        2- الفلسطينيون في الدولة الاردنية

        3- منظمة التحرير الفلسطينية

               أ- قبول قرار الانفصال

               ب- رفض قرار الانفصال 

               ج- مهادنة قرار الانفصال

 

ثالثا -  إسرائيل أمام الخيار الفلسطيني

        إسرائيل أمام الخيار الفلسطيني

 

 


الــجــمــعـــيــة الـــفـــلســطــيـــنــيـة الأكـــاديــمــيـة لــلشــؤون الـــدولـــيـة PASSIA مـؤسـسـة فلسطينية مستقلة، لا تسعى للربح أو التجارة، وغير مرتبطة بأية جهة حكومية أو حزبية أو تنظيمية أو طائفية، وتهدف من خلال برامجها اعداد ونشر بحوث ودراسات متخصصة في المسألة الفلسطينية.

 

إن ما ورد في هذه الورقة من آراء وأفكار تعبر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية ولا تعكس أو تمثل بالضرورة موقف أو رأي الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، وقد أعد الدكتور مهدي عبد الهادي هذه الورقة لبرنامج الحوار في الجمعية لتناقش في ندوة يوم السبت الموافق 20 آب (اغسطس) 1988، لكـن السلطات قـررت يومها الاعلان عن منع عـقـد اللقاءات الثقافية والأكـاديـمـيـة فـي الـقـدس الشرقية، الأمـر الـذي فرض تأجيل عقد الندوة، ولاهمية موضوع الورقة، رأت اللجنة الأكاديمية نشر وتوزيع ورقة العمل كمحاضرة للاطلاع والمتابعة.

  

حقوق الطبع محفوظة للجمعية

الطبعة الأولى - أيلول (سبتمبر) 1988

الطبعة الثانية - أيلول (سبتمبر) 1995

مطبوعات PASSIA

 

 

 

 

أولا  -  الانفصال الاردني

 

(1) مقدمات الانفصال

 

        عقد الملك حسين، سلسلة من اللقاءات الشعبية المفتوحة مع رجال القبائل والعشائر والشخصيات العامة وممثلي النقابية والمهنية والعمالية الاردنية على امتداد النصف الثاني من شهر رمضان (أيار) عام 1988، بهدف تهيئة الرأي العام والتمهيد للاعلان عن قرار سياسي مصيري، وترك باب الاجتهاد فيه وعنه مفتوحا على مصراعيه دون تدخل.

 

        لقد أثار الملك حسين، في كلماته، قصة الوحدة الاردنية-الفلسطينية وأعاد التذكير بنصوص الصيغة الدستورية لوحدة الضفتين. وانها "وحدة مقيدة" حسب نص قرار مجلس الأمة الاردني بتاريخ 24 نيسان 1950:

 

"عدم المساس بالتسوية النهائية لقضيتها العادلة (القضية الفلسطينية) في نطاق الأماني القومية والتعاون العربي، والعدالة الدولية".

 

        وانها أيضا وحدة "مؤقتة ومشروطة"، حسب قرار مجلس جامعة الدول العربية في 12 حزيران 1950 والذي ينص على أن:

 

"المملكة الاردنية الهاشمية تـعـلـن أن ضـم الجزء الفلسطيني اليها، إنـمـا هـو إجـراء اقتضته الضرورات العملية. وانـهـا تحتفظ بـهـذا الـجـزء وديـعـة تحت يـدهـا، علـى أن يكـون تــابــعــا للتسوية النهائية لقضية فلسطين عـنـد تحرير أجزائها الاخـرى بكيانها الـذي كانت عليه قـبـل العدوان، وعلـى أن تقبل فـي شأنه ما تقرره دول الجامعة الأخرى".

 

        إن العلاقة "الوحدوية" حسـب كـلـمـات الملك حسين، ونـصـوص القرارين المذكورين أعلاه هي:

        - "وحـدة مشروطـة"، لـحـيـن إيجاد حـل للقضية الفلسطينية، أي ممارسة              الشعب الفلسطيني   لـحـقـه فـي تـقـريـر مصيره.

        - "ووحـدة مقيدة"، بمعنى ان حدود واطار العلاقة الوحدوية مرتبط "بـعـدم                المساس بالتسوية الـنـهـائـيـة".

        - "وحــدة مـؤقــتــة"، أي ليست نهائية أو دائمة باعتبار أن الضفة             الغربية  جـزء مـن فلسطين وليس كـل فلسطين، وبالـتـالي ان:            "الاحتفاظ   بــهــذا الـجـزء وديـعـة تـحـت يـدها".

 

        وأعاد الملك حسين، في لقاءات رمضان، التذكير بأنه طرح في آذار عام 1972 مشروعا لإعادة "تنظيم البيت الاردني - الفلسطيني" يشمل كل فلسطيني في مشارق الأرض ومغاربها، وعرف المشروع باسم: "مشروع المملكة العربية المتحدة"، لكن الفلسطينيين في الاردن وخارجها، وحكومات دول الجامعة العربية، رفضوا الصيغة المقترحة، وقرروا فـي مـؤتـمـر قمة عربي وبحضور الاردن في الرباط عام 1974، حـق الشعب الفلسطيني فـي تـقـريـر المصير دون تـدخـل خـارجـي وحـقـه فـي الاستقلال والسيادة الوطنية بـقـيـادة ممثله الشرعي والـوحـيـد (م.ت.ف). كـمـا صـدر عـن الارادة الـدولـيـة، فـي الامـم الـمـتـحـدة فــي تـشـريــن الــثــانــي 1974 قـراريـن تاريخيين يـؤكدان نـصـا وروحا مقررات الرباط.

 

        وهذا الأمر يعني، حسب التفسير والقراءة الاردنية، وكما وردت في الخطابات التمهيدية لقرار الاعلان عن "الانفصال" أن "أوراق" الوحدة في الخمسينات، والتي كانت مشروطة ومقيدة ومؤقتة، أصبحت الآن في الثمانينات وبناءا على طلب فلسطيني وعربي ودولي، تتطلب إعادتها لاهلها "الفلسطينيون" أصحاب القرار ...

 

 

(2) إجراءات الانفصال

 

        في مطلع شهر تموز 1988، قررت الحكومة الاردنية، بناء على توجيهات الملك حسين، اتخاذ سلسلة من الاجراءات جرى تسميتها "فك الارتباط القانوني والاداري والمالي" مع الضفة الغربية، وتضمنت قرار الحكومة الغاء خطة التنمية الاردنية للضفة الغربية، واستبدال وزارة شؤون الأرض المحتلة، بدائرة "الشؤون الفلسطينية" في وزارة الخارجية الاردنية وإنهاء خدمات حوالي (21) ألف موظف في الضفة الغربية مع "إستثناء مؤقت" لمؤسسات الأوقاف الاسلامية والمحاكم الشرعية و"إخراج" بعض الأعضاء الفلسطينيين في مجلس الأعيان الاردني، وأخيرا، "سحب" وثائق الجنسية الاردنية من مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة، واعتبار "وثائق جواز السفر الاردني" التي بحوزتهم، وثائق للتعريف فقط على هويتهم الشخصية دونما حقوق مواطنة في الدولة، والتوقف عن منح "جواز السفر" أو تجديده، والبدء في عملية إستبدالها "بأوراق" خاصة عرفت فيما بعد بجواز سفر مؤقت لعامين !

 

        من وجه نظر، المستشارين والمنظرين لقرار "الانفصال الاردني"، انه قرار تاريخي واستراتيجي وسياسي، لا عودة عنه، ولا تراجع فيه، وقد جاء نتيجة دراسة وتحليل موضوعين للمعادلة السياسية الحالية في المنطقة. كما أن "توقيت" القرار، هو نتيجة استقراء بل تفسير ذكي وقراءة جيدة وموقف جريء لابـعـاد مستقبل أخـطـر، اذا لـم يـتـم الـتـدخـل المباشر الآن، بـحـيـث يفرض الانفصال، علـى جـمـيـع أطـراف المعادلة السياسية، ليس فـقـط "الاعتراف" بـه بـل التعامل مـعـه حسب قـواعـده وشروطه.

 

أ-  الأسباب الاردنية

 

        إن تفاعل الساحة الاردنية مع "الانتفاضة الوطنية" ليس أمرا جديدا أو طارئا أو مـؤقـتـا "فـالآراء العامة فـي فلسطين وشرقـي الاردن على وتيرة واحدة" لم تتغير منذ أن كتب الأمير عبد الله من عمان الى السير آرثر واكهوب المندوب السامي البريطاني في القدس، في 10 تموز 1936 على اثر الثورة الفلسطينية منبها لاثار ذلك، بقوله:

 

"إنني ساهر يقظ على استمرار السياسة السلمية في شرقي الاردن، والحؤول دون ما احس بقربه من الانفجار فيها إن دامت البلوى في فلسطين، أو كان علاجها السيف الباتر وحده" وكشف الأمير عبد الله، وفي نفس الرسالة آثار الثورة يومها، فأضاف يقول: "... والله وحده أعلم بالصعوبات التي أكابدها في سبيل السلام في شرقي الاردن. بينما الصرخات من فلسطين تشق مسامع الأمة كل يوم، ورسائل الاستفزاز تتطاير بينها، والمتحمسون يستقتلون في تحريك عواطفها بشتى الطرق من دينية وعنصرية ..."

 

        لقد جاءت "الانتفاضة الفلسطينية" لتعيد إنشاء وإحياء المدارس السياسية في شرقي الاردن، وتحركها تماما كما كانت الحال في الثلاثينات. وعادت ثلاث مدارس سياسية اردنية، لتجدد فكرها ودورها وصوتها، وأخذت في الضغط على صاحب القرار باتجاه اتخاذ "قرار ما" أو "مبادرة ما" وليس الجمود أو الانتظار !

 

المدرسة الأولى

 

        كانت ولا تزال، مدرسة الوحدة العربية عملت وتعمل من أجل المساواة والعدالة في أجواء من الديمقراطية والحرية، كاسس لصياغة العلاقات الوحدوية، وكان من أساتذها في الخمسينات والستينات على أرض شرقي الاردن شفيق ارشيدات وعبد الحليم النمر وسليمان النابلسي، وعلى أرض فلسطين عبد الله رشيد عمرو وعبد الله نعواس وعبد الله الريماوي وكمال ناصر.

 

        أما اليوم في الثمانينات، فان المدرسة هذه تشمل النشطاء من ممثلي ومنتسبي النقابات المهنية والهيئات التدريسية في الكليات والجامعات وبعض الشخصيات العامة الاردنية أمثال: حمد الفرحان ومحمد عوده القرعان وسليمان الحديدي ونجيب ارشيدات والشخصيات العامة الفلسطينية أمثال: ابراهيم بكر وبهجت أبو غربية، وعبد المجيد شومان، لكن تأثير كلا الفريقين (الاردني والفلسطيني) في هذه المدرسة على صاحب القرار الاردني كانت وما زالت "مزاجية ومحدودة" وأيضا دورهم في الشارع السياسي في عمان، كان متقطعا بل مبتورا، وبالتالي بقيت هذه المدرسة، أسيرة "الرومانسية" القومية محصورة في صالونات عمان السياسية.

 

المدرسة الثانية

 

        كـانـت ولا تـزال "مـدرسة أردنـة الدولة" و"إخراج" الفلسطينيين من مواقع السلطة وادارة الحكم في عمان وأيضا "إخـراج" ملفات المسألة الفلسطينية مـن جـدول أولـيـات سياسة الدولة الاردنية الداخلية والخارجية.

 

        وكـان لـهـذه المدرسة في الماضي، أساتذة ومنظرين، في الخمسينات كان هناك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وفي الستينات برز هزاع المجالي، والسبعينات صعد نجم وصفي التل والثمانينات د. خليل السالم، ومن أبرز المنظرين لهذه المدرسة، د. عبد السلام المجالي وعبد الهادي المجالي و د. سعيد التل ومرويد التل وطارق مصاروه، بالاضافة الى أن الأرض الخصبة لنشر فكر هذه المدرسة هي التجمعات الشركسية في الاردن. وامتد دورها الى مضارب القبائل والعشائر، بعد الحرب الأهلية في السبعينات، وتحول "الهمس" الى "صراخ" على صفحات الجرائد، بانتقاد هؤلاء "الغرباء" - الفلسطينيون - الـذيـن يتمتعون بخيرات البلد، فالاقتصاد والتجارة والمال بادارتهم، والأراضي والعقارات "وقصور عبدون" بأيديهم، ومفاتيح الفنادق والسهرات الحمراء، لازواجهم وخليلاتهم، بالاضافة الـى إنتشار "هؤلاء الغرباء" فـي كـل مكان، فـي الشركات والبنوك والمحاكم، (وبطاقة غـوار) مـن أحـدهـم لا تزال بطاقة التأمين لتسهيل كل أمر "وفتح" كل باب موصد بـدءا بصفقات المتعهدين وانـتـهـاء بـقـرارات الـوزراء.

 

        لقد اتسعت دائرة "التذمر" من سلطان هؤلاء الفلسطينيين "الغرباء" على البلد، وأيضا تأثيرهم على صاحب القرار، خاصة وانه ابتعد شخصيا ولسنوات، عن رعاية شؤون ومشاكل العشيرة والقبيلة الاردنية حسبما كان قد عودهم ووعدهم، باستمرار بأن الألولوية هي لقضايا العشيرة الاردنية، لكنه وعلى عكس ما يريدون، ركز اهتمامه وتحركاته وبكثافة، في قضايا هؤلاء "الغرباء" وحتى الى ما بعد أن تم "إخراج" قادتهم (م.ت.ف) من عمان في آذار 1986 وإغلاق مكاتبهم وتقييد حرية حركتهم.

 

        وتضيف قراءات أقطاب هذه المدرسة، أن تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتضخم أزمة الخريجين والعاطلين، وبداية ظاهرة "الاضرابات" النقابية والعمالية والمهنية وأيضا ظاهرة غياب الأمن الاجتماعي: سرقـات واختلاسات وتهريب الأموال وهبوط القيمة الفعلية للدينار الاردني.والتراجع فـي البنية التحتية الاردنية، مرده الرئيسي لهؤلاء "الغرباء" - الفلسطينيين - وهذا الأمر يعني تحرك رجالات هذه المدرسة، بأحد اتجاهين:

 

        الاتجاه الأول نحو تسجيل "معارضة سياسية" علنية للمسيرة الحالية لنظام الحكم في محاولة "للاصلاح" و "التعديل" بهدف الحد من استمرار وتصاعد دور "الغرباء". وقد برزت مطالب علنيه، تدعو لتشكيل الأحزاب السياسية، لاستخدامها "منابر" استقطاب وتأهيل وتنظيم لاتباع هذه المدرسة، من أجل إحداث اصلاح سياسي ويتم بناء على ذلك، التعديل المطلوب من مركز ثقل سياسي وقوة جماهيرية في الساحة.

 

        الاتجاه الثاني يدعو للعمل "لتغيير" سياسات وعلاقات وأدوات الحكم بدءا في "الانفصال" الاجتماعي ثم الاقتصادي والتجاري وأخيرا السياسي عن هؤلاء (الغرباء الفلسطينيين). وقد ظهرت في الساحة الاردنية. تكتلات للمتعهدين الاردنيين، وأندية اجتماعية خاصة بالاردنيين، وشركات وبنوك، تغلق أبوابها في وجه أي "غريب" من هؤلاء الفلسطينيين تمهيدا لتشكيل تجمع اردني، اقتصادي واجتماعي ومالي، قادر ومؤهل على الوقوف أمام هؤلاء "الغرباء" اذا ما حانت ساعة المجابهة أو التحدي !

 

المدرسة الثالثة

 

        فقد كانت في طور التأسيس وعلى أمل أن تبقى المعادلة بين المدرستين السابقتين دون حسم لصالح أي منهما، فالبديل الثالث، وعلى فرض أن صاحب القرار لم يتمكن من إبعاد "رياح التغيير" تخطيطا وتنفيذا من عمان. فان المستقبل الديمغرافي في الاردن وخلال سنوات ثلاث قادمة، سيتحول لصالح (الغرباء) الفلسطينيين بحيث يتواجد في الساحة الجغرافية الاردنية الحالية، أغلبية فلسطينية، تملك المال والعلم والخبرة، وتعيش حرمانا من وطن تنتمي اليه وسلطة ترنو اليها وتشارك على مضض في معادلة غير متكافئة، فان الحل المنطقي أمام أصحاب المدرسة الثالثة الحديثة، أن تطرح معادلة جديدة وهي القبول في حكم أغلبية فلسطينية على ضفتي نهر الاردن. وقد لا تنتظر هذه المدرسة طويلا عند محطة الاجتهاد والتنظير، بل قد تشرع الآن في إقامة أبنيتها ولوائحها، تمهيدا للوصول الـى تـلـك النتيجة. وكـانـت لا تـزال، قـاعـدة هـذه المدرسة، هـي صفوف اليسار والمعارضة الوطنية لنظام الحكم، وقـد أخذت فـي الظهور الشكلي فـي هـذه المرحلة بانسجام مع مواقف "الـتـجـمـعـات الاسـلامـيـة" وتطلعاتها.

 

        أما الاستثناء الوحيد بين هذه المدارس، فقد كان في الخمسينات، ويعيد التاريخ تكرار أحداثه مرة اخرى في الثمانينات. لقد تنافست مدرستان في الماضي، الأولى عرفت "بالمدرسة المشتركة" بقيادة الملك عـبـد الله، وضمت فـي صفوفها سليمان عـبـد الـرزاق طوقان وأحمد الشكعة ومحمد علـي الجعبري، وراغب النشاشيبي، وعبد اللطيف صلاح وروحي عبد الهادي وموسى ناصر وتوفيق أبو الهدى وسمير الرفاعي وسعيد المفتي، وحققت أهدافها بضم الضفة الغربية للمملكة الاردنية الهاشمية، والمدرسة الثانية عرفت باسم "الخصوصية الفلسطينية" بقيادة المفتي الحاج أمين الحسيني وضمت أحمد حلمي عبد الباقي وعوني عبد الهادي، وجمال الحسيني وأنور نسيبه، وحققت "شكلا" بعض أهدافها، حيث عقدت مؤتمرا فلسطينيا في غزة واعلنت وثيقة الاستقلال الأولى، وشكلت مجلس تشريعي وحكومة عموم فلسطين في غزة.

 

        وابتعد عـن هاتين المدرستين، ولاسباب شخصية ولتطلعات غـيـر علنية، وموجهين علمهم وفكرهم ونشاطاتهم فـي مشاريع اقتصادية وزراعية واخـرى تعليمية وثالثة مهنية طبية وهندسية وحقوقية، مجموعات فلسطينية فـي مقدمتها موسى العلمي "منتظرين" حلولا خارجية لحسم الصراع بين قادة المدرستين. منشأين علـى أرض الـواقـع. "نـواة المستقبل الاقتصادي" لاستمرار الشعب فـوق أرضـه. وكـان مـن بـيـن تـلـك المشاريع "المشروع الانشائي" فـي أريحا.

 

        وبعد ... لقد "ورث" صاحب القرار في عمان هذا الأرث الزخم والمعقد من العلاقات، وكان على اطلاع ومتابعة شخصية مباشرة، لتطور هذه المدارس، ماضيا وحاضرا، اطروحتها، رجالها، علاقاتها وحتى تمويلا وطبيعة اختراق صفوفها، لكنه كان في انتظار التوقيت المناسب، لاتخاذ قرار هو يرى الصواب فيه ومنه، ولمصلحة هو مقتنع بها، ولعله "قرار الحسم" الذي طالما أراده، ولكنه لم يتمكن من تنفيذه.

 

ب-  الأسباب الفلسطينية

 

        لـقـد تـلـقـت عـمـان، ثـلاث رسـائـل فلسطينية، مـن ثـلاث مـواقـع فلسطينية، حملت كلمات سـطـورها ذات المعاني، وكشفت عـبـاراتـهـا عـن تـراجـع وتردي في العلاقات الاردنية-الفلسطينية وانتهت جـمـيـعـهـا الـى نـتـائـج واحـدة.

 

        - الرسالة الأولى جاءت من ساحة "الانتفاضة الوطنية" في الأراضي المحتلة، وكان مفادها:

 

"انه اذا كـان هـنـاك مـاض لحكم اردنـي للضفة الغربية، فبالتأكيد ليس هـنـاك أي مستقبل لهذا الحكم. ولـن تـكـون فـي مقدوره "العودة" ولا بأي شـكـل كـان للضفة الغربية واستحالة ذلك بالنسبة لقطاع غـزة".

 

        وأيضا، اذا كانت انتقاضة الحجارة ضد الاحتلال العسكري الاسرائيلي في مراحلها الأولى، فانها وبـدون أي استثمار سياسي عربي أو فلسطيني لـهـا، ستنتقل الى خارج حدودها الجغرافية وحجمها السكاني. وستكون مهيئة "للتصدير" باتجاه الغرب، الى داخل الخط الأخضر، وأيضا باتجاه الشرق، الـى الضفة الشرقية لنهر الاردن. وقـد بدأت "مظاهر" هـذا التوجه فـي القرى العربية داخـل الخط الأخضر وأيضا فـي المخيمات الفلسطينية والمؤسسات التعليمية والمساجد والكنائس فـي الاردن.

 

        - الرسالة الثانية جاءت من جموع الفلسطينيين في الاردن بأن "الانتفاضة" في الأراضي المحتلة، هي "يقظة عربية ثانية" ولا يمكن الوقوف أمامها بدون حراك أو تفاعل أو تجاوب، وهي في أساسها دعوة للتحرر والاستقلال الوطني الفلسطيني على الأراضي الفلسطينية. برفض ومقاومة القمع والظلم والاحتلال العسكري، وهي أيضا دعوة لاستقلال الذات والفكر العربي، وتحررهما من قمع وظلم واستبداد النظام العربي الحاكم.

 

        وبـدأت مظاهر هـذا الفهم لحقيقة معاني الانتفاضة الفلسطينية فـي الانتشار عـبـر المقالات الصحفية، و (خطبة الجمعة) في الجوامع، و (وعظة الأحد) في الكنائس. وأحاديث المثقفين (الانتلجنسيا) الفلسطينية وهمومها اليومية.

 

        - الرسالة الثالثة كان مصدرها قيادات منظمة التحرير الفلسطينية القيادة، والتي اعتذرت عـن تلبية أكـثـر مـن دعـوة رسمية لـزيـارة عمان، وذهبت الـى طـلـب التنسيق السياسي في وفد مـصـري فلسطيني مشترك للمؤتمر الدولي والاعتذار عن دعوات بغداد "للمصالحة" مـع عـمـان، الأمـر الـذي رأت عمان فيه، بوادر تراجع عن خطوط المعادلة الاردنية-الفلسطينية، واقتنعت عـمـان بإستحالة العودة الـى الـحـد الأدنى لما ورد في اتفاق شباط عام 1985.

 

        وبـعـد ... لـقـد كانت الـرسـائـل الفلسطينية الثلاث واضحة وصريحة، وتـركـت صاحب الـقـرار فـي عـمـان، أمــام امـتـحـان إما "الانـتـظـار" على أمل أن تتغير المعادلة، أو السعي نحو بديل كمبادرة اردنية "للتحرك" نحو "المستقبل" وليس "الماضي" "التحرك" للاسهام المباشر، ولمصلحة ذاتية اردنية وليس فقط ردود فعل !

 

 

ج-  الأسباب العربية

 

        لــقــد سمع وتـابـع الملك حسين، أقوال وتصرفات قادة وحكام العرب، فـي "مؤتمر الانتفاضة" فــي حزيران 1988 فـي الجزائر، والتي كانت تفيد بأن "مخاض الانتفاضة" لـن يمتد الـى مــا بـعـد شهرها التاسع. ولا يمكن "اجهاضها" الآن فـي شهرها التاسع، خـاصـة بـعـد فـشـل محاولات جورج شولتس وزير الخارجية الأميركية "اجهاضها" في أشهرها الأولى. وبـعـد فشل سلطات الاحتلال العسكري. فـي حرمانها مـن قوتها وتموينها وتمويلها بالاضافة الــى "أسـر" و "إبـعـاد" خـيـرة شبابها، والأمـر الطبيعي، أن تـأتـي الولادة الطبيعية، لـمـولـد الـدولـة الفلسطينية فـي مـوعـدهـا، وفـي بيتها، وبحضور والدها الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية.

        هـذا عـن الموقف العربي الجماعي فـي الجزائر، أمـا عـن مـوقـف كـل عاصمة عـربـيـة، فــقــد كـان أكـثـر صـراحـة، ووضـوحـا فـي حـصـر الـتـعـامـل بـشـأن الـمـوضـوع الـفـلسـطـيـنـي فـقـط مـع منظمة التحرير الفلسطينية.

 

        فالرباط كانت أول عاصمة عربية دعت وتبنت الدور الشرعي لـ (م.ت.ف) في عام 1974، وانتشرت دعوتها الى عواصم المغرب العربي، الجزائر وتونس وطرابلس، وفي الخليج العربي، كانت الكويت ثم الرياض وانتشار دعوتهما لبقية عواصم الخليج، حتى أن الرياض، اعتذرت عن تمويل خطة التنمية الاردنية للأراضي المحتلة، وحرصت على أن تستمر في تمويل برنامج اللجنة المشتركة في عمان، أما بغداد والقاهرة، فعلى الرغم من العلاقات الجيدة بينهما وبين عمان، الا انهما تمسكتا بصراحة وعلانية. بأولوية التعامل مع (م.ت.ف) في الموضوع الفلسطيني، الأمر الذي لم يترك خيارا أمام عمان، الا التراجع عن خططها ومشاريعها، حصر التنسيق مع سياسة دمشق كل لمصالحه، من أجل "محاصرة" قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وتمكنتا الى حين في تقييد حركة (م.ت.ف) على الأراضي السورية واللبنانية والاردنية.

 

        ولكن مجمل الرسائل العربية، مجتمعة ومنفردة، كانت دعم (الانتفاضة) وقيادتها التاريخية الشرعية الوحيدة (م.ت.ف) الأمر الذي أسقط كل الاجتهادات أو التمنيات في إمكانية المناورة والتكتيك لمنافسة أو مزاحمة (م.ت.ف) وبالتالي، دفعت هذه الأمور، صاحب القرار في عمان، الى التمسك بقناعاته بانه بات من الضرورة اتخاذ "قرار ما" وحسم الموقف !

 

 

د-  الأسباب الاسرائيلية

 

        لـقـد تابعت وتتابع عمان، سيناريو حملات الانتخابات الاسرائيلية، واستقرأت حتمية وصـول الليكود والمعراخ الـى تـفـاهـم فـي نـهـايـة رحـلـة الانتخابات بـهـدف فـرض حـل سياسي أو عسكري أو سكاني (ترانسفير) علـى عـمـان، بالترغيب حـيـنـا، وبالتهديد أحـيـانـا وبالحيلة والمراوغة الأميركية غـالـبـا.

 

        وكـان أمـام عمان ملف من الوثائق التاريخية عن اسلوب التعامل مع حزب العمل، امتد لاكثر مـن عشرين عاما من محاولات الحوار والتنسيق وحـتـى التعاون (بتقاسم وظيفي) فـي شؤون الأراضي المحتلة، الا انـه لـم يثمر شيئا، ولـم يتمكن (شمعون بـيـرس) أن يـفـي بأي مـن وعـوده أو يـحـقـق بـعـض أمـانـيـه وأحـلامـه، الأمـر الذي جـعـل مسألة (الخيار الاردني) سـرابـا يتعلق بـه الحالمون وليس الواقعيون.

 

        كما أن عمان كانت على وعي، بمخاطر اطروحات (جابوتنسكي) القديمة، وتجدد شبابها في عهد (مناحيم بيغن)، وانتقال شعلتها لايدي (أرئيل شارون) وجنرالات المؤسسة العسكرية الاسرائيلية. واستحالة التفاهم مع هذه المجموعة، الأمر الذي وضع أمام عمان حقيقة واحدة هي أكاذيب وأواهام حزب العمل. وأطماع حزب الليكود، وغياب القرار الاسرائيلي، وبالتالي، كانت الأمور تدفع نحو البديل الوحيد، وهو الانسحاب الاردني مـن أي "تنسيق" من أقطاب الساحة الاسرائيلية: فكان القرار الاردني المطلوب، هـو الانسحاب السياسي والتفاوضي مـن الساحة الاسرائيلية وتـرك عقدها ومشاكلها العقائدية والعسكرية لمجابهة مع الفلسطينيين وحـدهـم دون غيرهم. والاعتراف بـانـتـهـاء أي دور (للتقاسم الوظيفي) أو (الحكم الذاتي) أو (برامج تحسين ظـروف المعيشة) وأخيرا وفــاة اطروحة "الخيار الاردني" والتراجع داخل حدود الدولة الاردنية لبناء خـط دفـاعـي اردنـي لمجابهة تـحـديـات الـتـرانسفير و (الـوطـن البديل) وأيـضـا (المفاوضات الاملائية) بـعـد احتمال هزيمة عسكرية مستقبلية !

 

هـ-  الأسباب الدولية

 

        بـعـد نجاح واشنطن وموسكو فـي تأسيس قواعد "الوفاق الدولي" فـي قضايا الأسلحة النووية والقواعد العسكرية، وفـتـح مـلـف الحلول للقضايا الاقليمية، أفغانستان وأنـغـولا وناميبيا والحرب العراقية-الأيـرانـيـة وغـيـرها فـان (الملف الفلسطيني) وحسب الـقـراءات المطروحة، سـوف يـتـصـدر جـدول أعـمـال العواصم الاوروبية والقمة، والاوروبية-الأميركية، والأميركية السوفياتية، وبالتالي فان دور الاردن سيصبح هامشيا وليس رئيسيا. وبالتالي فانه من باب أولى، أن يعيد الاردن حساباته الذاتية على هذا الأساس داخلي أو خارجي، ويعيد ترتيب بيته بنفسه، ومنفردا، وبناءا على مصالحه وأهدافه قبل أن تتغير موازين القوى الأقليمية ويفرض عليه أي "حل".

 

        وأيضا كان لمتابعة حملة الانتخابات للرئاسة الأميركية، مضمون مماثل، يلتقي مع المضمون الدولي، فقد طرح الحزب الديمقراطي الأميركي، ولاول مرة في تاريخ مؤتمراته الانتخابية، مسألة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني للمناقشة. وعلى الرغم من عدم اتخاذ قرار ما، الا أن النقاش بحد ذاته. والنداءات العربية-الأميركية، لضرورة إقامة دولة وطنية فلسطينية الـى جـانـب دولـة اسرائيل علـى أرض فلسطين التاريخية كان لـهـا أكـثـر مـن معنى ومغزى وأبرزها، أن مسألة تطبيع العلاقات الأميركية-الفلسطينية، هـي مسألة وقـت لا أكثر ولا أقـل. وقـد يكون ذلـك علـى حساب العلاقات الأميركية-الاردنية، وليس الأميركية-الاسرائيلية، واستعمال عمان محطة بانتظار الوصول الى الفلسطينيين. وهذا الأمر يتطلب من عمان، سرعة الحركة، لاعادة طرح موقفها ودورها على واشنطن. وانها ستبقى وفية وملتزمة بتسوية وفيه وملتزمة سياسية سلمية في المنطقة، وانها حريصة على ان تبقى أحد الأطراف الرئيسة لهذه التسوية، الا أنها ومن أجل الحفاظ على حدودها وأمنها واستقرارها، لن تكون الطرف الرئيسي أو الطرف المشترك، وأيضا لن تكون الطرف البديل عن الفلسطينيين. وعلى واشنطن أن تميز بين دورعمان الاردني الجديد، ودور الفلسطينيين بعد الانتفاضة، دون خلط أو مزج بينهما، والتعامل مع الفريقين، بشكل منفصل ومستقل، وهذه الأمور، في مجموعها، تفرض على صاحب القرار في عمان، عدم الانتظار طويلا والتحرك نحو مبادرة اردنية لحسم الموقف.

 

 


ثانيا - آثار الانفصال

 

(1) مسألة "الفراغ" السياسي

 

        نصت المادة الأولى من الدستور الاردني المنشور في الجريدة الرسمية رقم (1093) تاريخ 8/1/1952 أن "المملكة الاردنية الهاشمية، دولة عربية مستقلة ذات سيادة، ملكها لا يتجزأ ولا ينزل عن شيء منه ...) ولم تحدد هذه المادة أراضي المملكة بأنها الضفة الغربية والضفة الشرقية، حتى بعد تشكيل لجنة قانونية فلسطينية-اردنية لتعديل الدستور على أثر الضم.

 

        ونصت مقررات المؤتمرات الفلسطينية، التي مهدت "لضم" الضفة الغربية للمملكة الاردنية الهاشمية، وبالتحديد مقررات مؤتمر أريحا في 1 كانون ثاني 1948: "يعتبر المؤتمر فلسطين، وحدة لا تتجزأ، وكل حل يتنافى مع ذلك لا يعتبر حلا نهائيا".

 

        كما نصت المادة الثانية في قرار مجلس الأمة الاردني بتاريخ 24 نيسان 1950 "تأكيد المحافظة على كامل الحقوق العربية في (فلسطين) والدفاع عن تلك الحقوق بكل الوسائل المشروعة وبملء الحق، وعدم المساس بالتسوية النهائية لقضيتها العادلة في نطاق الأماني القومية والتعاون العربي والعدالة الدولية.

 

        ونصت أيضا مقررات اللجنة السياسية التي أقرها واعتمدها مجلس جامعة الدول العربية في 12 حزيران 1950 على "أن الدول العربية، قد أعلنت استمساكها بعروبة فلسطين واستقلالها وسلامة اقليمها تحقيقا لرغبات سكانها الشرعيين، ورفضت كل حل يقوم على أساس تجزئتها، وأن المملكة الاردنية الهاشمية، تعلن أن ضم الجزء الفلسطيني اليها إنما هو إجراء اقتضته الضرورات العملية، وانها تحتفظ بهذا الجزء وديعة تحت يدها على أن يكون تابعا للتسوية النهائية لقضية فلسطين ... وعلى أن تقبل في شأنه ما تقرره دول الجامعة الأخرى ..." ولم ترفض الحكومة الاردنية هذا القرار.

 

        وبالتالي فان "ضم" الضفة الغربية للمملكة الاردنية الهاشمية، كان مؤقتا ومشروطا ومقيدا وليس نهائيا ولا يعني أنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من أراضي المملكة، وبالتالي فان "الضم" لـم يمنح المملكة الاردنية الهاشمية (حـق التملك) لاراضي الضفة الغربية، بـل منحها حـق "السلطة السياسية" لادارتها وحكمها "كوديعة تـحـت يـدهـا" تـابـعـة للتسوية النهائية لقضية فلسطين.

 

        وبـنـاء علـيـه، فـان قـرار الانفصال الاردني، لا يعتبر مخالفا للدستور الاردنـي، ولا يعتبر تـنـازلا عـن جـزء مــن مـلـك الدولة، لان الضفة الغربية ليست جـزءا مـن ملك الـدولـة، بـل هـي جـزء مـن فلسطين.

 

        وقد اعترفت الارادة الدولية بأن الضفة الغربية "أراضي فلسطينية محتلة" في أكثر من مناسبة، وخاصة على اثر أحداث (الانتفاضة) الفلسطينية في القرارات 605 و 607 و 608 لعام 1988 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وحق الملك والسيادة على هذه أراضي، لشعب فلسطين، الذي يقيم نصفه حاليا فوق تراب وطنه.

 

        فالملك والسيادة لهم، وحقهم وملكهم وهي ليست للسلطة الحاكمة، أكانت سلطة حكم شرعي أم سلطة احتلال عسكري، أو كانت سلطة مؤقتة أم طارئة أم دائمة، ولا يملك الشعب أن ينقل أو يسقط ملكه وسيادته على أرضه، وهي ملتصقة بوجوده واستمراره، وهي أيضا ملك وتراث يتحدر عن الأجداد الى الآباء والأبناء، ويتمتع الشعب بملكه وسيادته على أرضه بوجوده الفعلي عليها، ومن خلال حياة أفراده ومؤسساته واطره وفعالياته.

 

        وعليه، فـان قرار"الانفصال" لـم يترك أي "فراغ" سياسي، بـل هـو انسحاب الحكومة الاردنية عـن مـواقـعـهـا الادارية فـي "حـكـم وادارة" الضفة الغربية مباشرة مـرة، وبالواسطة أحـيـانـا.

 

        أما عن "أدوات" الحكومة الاردنية في الضفة الغربية، وهي الأجهزة الادارية والمالية والقانونية، فان "إعلان" سحبها والغائها لن يحدث تغييرا جوهريا في حياة المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، ومن الأمثلة على ذلك :

 

أ- خطة التنمية الاردنية

 

        لقد رفض وعارض بل قاوم الفلسطينيون هذه خطط التنمية الاردنية للضفة الغربية، ليس فقط لانها تصب في برامج "تحسين ظروف المعيشة" وهم يريدون "حلا سياسيا وليس حلا اقتصاديا لقضيتهم" بل أيضا لان "الخطة" جاءت بقرار اردني فردي، وفي غياب التنسيق والتشاور مع القيادة الفلسطينية (م.ت.ف) وأيضا بالغاء أي مشاركة لها في الخارج والداخل. كما أن "الأدوات" التي أفرزتها الحكومة الاردنية التي يرئسها زيد الرفاعي، لتنفيذ "الخطة" كانت ولا تزال، "أدوات" غير نظيفة "اليد واللسان" وسعت "الخطة" في مراحلها الأولى، الى تشكيل مجموعات، من أصحاب المصالح الاقتصادية، الزراعية والصناعية والتجارية والمالية، وطرحهم كشريحة اجتماعية فلسطينية، لتتقدم الصفوف، تحت مظلة الدفاع عن "المصالح الاقتصادية" و "حماية" المكتسبات التنموية، وتوظيف ذلك، لمهادنة ثم قبول "التسويات السياسية الجزئية" على حساب القضية الكلية، وظهرت "أسماء وعناوين" هذه الشريحة الاجتماعية، في قوائم، الدعوات القنصلية، والادارة العسكرية المحتلة، كما أن البلديات وهي أبرز المؤسسات المحلية والتي ستتم من خلالها معظم الخطة التنموية هي بلديات مفرغة من مضمونها الوطني، ويجلس فيها موظفون فرضتهم السلطة المحتلة بالتنسيق في بعض الأحيان مع حكومة عمان، للختم على قراراتها.

 

ب- مجلس النواب

 

        إن حل مجلس النواب الاردني، ما كان ولن يكون ذو تأثير، لا سلبا ولا إيجابا في حياة المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، فوجود أو غياب "البرلمان الاردني" لم يترك أي بصمات سياسية في علاقات الضفتين خلال سنوات الاحتلال الواحدة والعشرين. وباستثناء سنوات "تجميد البرلمان" منذ قرار قمة الرباط عام 1974 ولغاية بداية التنسيق بين الحكومة الاردنية و (م.ت.ف) في 1984، لم يصدر عن البرلمان الاردني، أي مقررات استراتيجية لتطوير صيغة العلاقات الوحدوية بين الشعبين والضفتين، وعلى الرغم من أن المؤسسات الشرعية في (م.ت.ف) بداء في اللجنة التنفيذية، مرورا في المجلس المركزي، وانتهاءا في مقررات المجلس الوطني الفلسطيني، السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، قـررت واعتمدت الـصـيـغـة "الكونفدرالية" لاستمرار وتـطـويـر الـعـلاقـات الـوحـدويـة المميزة والـخـاصـة بـيـن فلسطين والاردن، فـي حـيـن لـم تـصـدر الـحكـومـة الاردنـيـة أو الـبـرلـمـان الاردني أو حـتـى الـهـيـئـات والـتـجـمـعـات الشـعـبـيـة الاردنـيـة، أي قـرار أو تـوصـيـة أو دعـوة رسـمـيـة لتبني هذه الصيغة.

 

        بالاضافة الى أن الأعضاء الفلسطينيين في "البرلمان" كانوا "موظفين" وليس "شركاء" في السياسة الاردنية. كما سكتت أصواتهم، وغابت أدوارهم في إحداث الأرض المحتلة طوال سنوات الاحتلال، الأمر الذي زاد في إلغاء "شرعية" صفتهم التمثيلية، ناهيك عن مصداقيتهم الشخصية.

 

ج- وزارة شؤون الأرض المحتلة

 

        كانت خلال العامين الماضيين لتاريخ قرار الانفصال، تنتهج سياسة "العصا و
الجزرة" فـي تعاملها مـع الناس، داخـل الأرض المحتلة. بالاضافة الـى "سـرقـة الجزرة" فـي مـعـظـم الأحـيـان، وابتكار أساليب "غـيـر حضارية" و "غير معقولة" فـي استخدام "العصا" الاردنـيـة، بـدءا فـي الاجراءات التعسفية على الجسور،
 واعتبار العابرين، "شخصيات غـيـر مـرغـوب فـيـهـا"، وإهمال تـلك الـتـي تنجح فـي "عـبـور" الجسور وانـتـهاءا فـي "تـعـلـيـمـات" و "شـروط" و "قـيـود" للاقـامـة والـتـنـقل والـعـمـل والـتـعـامـل ... هذه القضايا، أسقطت كـلـيـا دور وفـعـل هـذه "الـدكـان" الحكومية مـن حسابـات الـنـاس فـي الـداخل والـخـارج.

 

د- رواتب الموظفين

 

        إن إنهاء خدمات الموظفين، باعلان تقاعدهم وفصلهم من الخدمة في أجهزة الضفة الغربية، وقطع رواتبهم، لن يكون لها أثر كبيرا أو هزة كبيرة من الجذور في حياة هؤلاء الموظفين، فالرواتب الشهرية، كانت إضافة محدودة لمدخولاتهم، ولم تكن مجموع الدخل المالي الشهري الذي يحصلونه. كما أن تقطع مواعيد وصولها، ولعدة فترات، وباستمرار، فرض على الناس، الأخذ بعين الاعتبار، إحتمالات انقطاعها فجأة ونهائيا، والبديل لديهم التعود على إمكانية الاستغناء عنها، وبالتالي تعامل الناس معها، كمكمل لمداخيلهم، وكان يجري توفيرها أو إنفاقها على الحاجات الثانوية، وبالتالي فان قرار الغائها الآن، لن يزعزع مسار الحياة اليومية لهولاء الموظفين، أما الأقلية التي كانت تلك الرواتب تعتبر دخلها الوحيد، فهي أيضا قادرة علـى "الصمود" عدة أشهر دون الحصول عليها، ريثما تجري ترتيبات "فلسطينية" لتغطيتها وباسلوب حضاري - أمين - دون سمسرة أو عموله.

 

        وبناء عليه، فان المطلوب والمنتظر حاليا من أهالي ومواطني وقيادات الضفة الغربية، أن تتماسك في وحدتها الوطنية، وتعلن بكل الرضى عن "قبول" قرار الانفصال الاردني واجراءاته الادارية والقانونية والمالية. وتبادر فورا، كافة مؤسساتها وأطرها وفعالياتها نحو "فلسطنة" ادارية وقانونية ومالية في لوائحها وأنظمتها وبرامجها وأدواتها.

 

        إن "فلسطنة" المؤسسات في الضفة الغربية، تعني بناء "سلطة الشعب" تطبيقا للبرنامج السياسي للانتفاضة، كما ورد في بيانات القيادة الوطنية الموحدة، إن المطلوب، العمل دون إنفعال أو صخب، ودون حقد أو انتقام، وتحت شعار "ليبق كل بطل مكانه"، فهناك دور ومكان وصوت، لكل فلسطيني وفلسطينيه، لعمل مشترك تقدمي وطني، في "تنظيف وترتيب" البيت الفلسطيني، و محاولة الوصول الى "اكتفاء ذاتي" لحاجاته لتنجسم مع تطلعاته لاقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني.

 

        فالمؤسسة الفلسطينية، هي ملك الشعب، ومستمرة باراداته، والمسؤولية فيها جماعية بتكافىء ومساواة، وباسلوب ديمقراطي تظلله العدالة الاجتماعية، والدعوة الآن، أن تستمر الخدمات والفعاليات الفلسطينية في الضفة الغربية، بارادة الشعب و سلطته، واذا كان هناك من يريد أن (يتقاعد) أو (يتراجع) أو (ينتظر)، فله كل الحق أن يفعل ذلك الآن، دون إجحاف بحقوقه الحالية وأيضا المستقبلية،  وفي نفس الوقت، ليس لـه أي صـوت أو دور أو حـق فـي أن يـعـرقـل المسيرة تحت أي اجتهاد كان. لان "الانتفاضة" رسـالـة الاسـتـقـلال الـى الـغـد، سـتـبـقـى حـيـويـة ومـتـفـاعـلـة ومسـتـمـرة، ولا تـراجـع عـنـهـا أو انسحاب منها.

 

(2) الفلسطينيون في الدولة الاردنية

 

        لقد فاجأ قرار الانفصال الاردني الناس في الاردن، فجاء كحدث سياسي رسمي، خطط له واراده صاحب القرار ونفذته حكومته، ولم يكن في حسابات أو توقعات الناس. وقد يحتاجون لوقت طويل، لفهم وتفهم أسبابه وأهدافه وآثاره.

 

        لقد فرض قرار الانفصال الاردني على الفلسطينيين في الاردن، تحديا رسميا من الحكومة مباشرة، وأخذ يمتد منذ ساعاته الأولى، ليصبح تحديا اجتماعيا واقتصاديا وأيضا شعبيا من الشارع الاردني.

 

        لقد أسقط قرار الانفصال الاردني جميع الأقنعة، وبدأ في فرز الناس، بصراحة ووضوح بين اردني وآخر فلسطيني. وقرر مؤيدو قرار الانفصال، إلغاء النظريات الرمادية، وطالبوا بفرز الألوان بين الأبيض والأسود. وطالبوا تحديد غطاء الرأس، أما "الحطة الاردنية" أو "الحطة الفلسطينية" ورفضوا استمرار الجمع بينهما، مهما كانت الأسباب، وفرض قرار الانفصال أحد خيارين أما "الولاء" للملك أو ضد الملك، تمهيدا لاخراج (حصان طرواده الفلسطيني) من البيت الاردني. لقد وضع قرار الانفصال، الفلسطينيين في الاردن أمام امتحان أو خيار في منتهى الصعوبة:

 

        - "قبول" الاحتفاظ بحقوقهم المكتسبة فقط في الدولة الاردنية حسب معادلة                   "الفصل" الجديدة لقرار الانفصال الاردني، بأن يكونوا "فلسطينيين فقط" في                دولة الاردن !

        - "المطالبة" بالجمع بين حقوقهم التراكمية الشرعية في فلسطين وبين حقوقهم                المكتسبة في الاردن بأن يكونوا "فلسطينيين واردنيين" في نفس الوقت !

        -  "رفض" التورط الآن في اتخاذ أي موقف !

       

        إن المتوقع من التجمعات الفلسطينية في الاردن، استمرار المحافظة على دورهم في "التدخل" في التطور السياسي الاجتماعي الاقتصادي الجديد، ليس من أجل "التصادم" مع "النظام" وعلى أرضه أو "مقاومته" خارج حدوده، بل "مهادنته" من أجل بلورة معادلة متكافئة مؤقتا، لا تتعارض مع قرار والآثار المباشرة للانفصال، معادلة يتم خلالها، طرح وتنفيذ برنامج مرحلي تدريجي، لتراجع وانسحاب فلسطيني، من الحياة السياسية والاقتصادية والاردنية، و "العودة" بها الى أرضها الأصلية، أرض فلسطين، لاستكمال بناء مؤسسات الدولة الوطنية، "وتطمين" الانفصال وأصحابه، بأن التراجع والانسحاب، ليس بهدف "زعزعة" التركيبة الاقتصادية الحالية. وإن كانت ستؤدي الى بعض ذلك، بل لغايات التمهيد لعلاقات مستقبلية متكافئة بين القطرين: فلسطين والاردن، في "وحدة كونفدرالية" على اسس المساواة والعدالة كما قررت المجالس الوطنية الفلسطينية، وقد يكون هناك استثناء وحيد من هذه المعادلة المؤقتة، كأن تذهب بعض المجموعات أو التجمعات الفلسطينية في الاردن، الى القبول بنظرية "الاردنة" والعمل "بالاندماج" في الهوية الاردنية، واعلان الولاء لنظام الحكم، للاحتفاظ بمكاسبها ومصالحها ومواقعها، رافضة المراهنة على مستقبل مجهول في فلسطين، ولا أعتقد، أن هناك أحدا سوف يتدخل، لتغيير رأي وسلوك هذه المجموعات أو التجمعات، ليس فقط لان الفلسطينيين عمليون في قراراتهم استنادا لمعاناتهم التاريخية وتشتتهم خارج الوطن الفلسطيني، بل لان الـصـعـاب والـتـبـعـات السـلـبـيـة التي قد تترتب على عملية "الاندماج" أو "ازدواجية الولاء - باللسان دون القلب" - ستجعل أعداد تلك المجموعات محدودا.

 

(3) منظمة التحرير الفلسطينية

 

        يمكن القول، أن قرار "الانفصال" جاء ليحسم مسألة المد والجزر في أمواج بحر العلاقات الفلسطينية - الاردنية، وجاء ليعترف، ليس فقط، بعبثة التنافس والمزاحمة فيما بين القيادتين الاردنية والفلسطينية، بل أيضا استحالة هزيمة أحدهما على حساب انتصار الأخرى. لقد طرح قرار "الانفصال" أمام قيادة منظمة التحرير البدائل التالية :

 

أ- "قبول" قرار الانفصال

 

ويعني التعامل معه، حسب شروطه أو قواعده، أو العمل للاتفاق معه على معادلة مشتركة متكافئة لصياغة علاقات مستقبلية على اسس كونفدرالية.

 

ب- "رفض" قرار الانفصال

 

ويعني مجابهته ومقاومته على أرضه والتصدي لتحديه داخل وخارج حدوده الجغرافية والديمغرافية، والاستعداد لنتائج ذلك في الاردن وخارجه !

 

ج- "مهادنة" قرار الانفصال

 

حرصا على عدم تجاوز الحد الأدنى من الخسائر الفلسطينية في الأراضي الاردنية وخارجها، وفي نفس الوقت، عدم ترك المجال لآثار الانفصال الى اضعاف أو اجهاض "الانتفاضة" مولدها المنتظر"، الاستقلال الفلسطيني، نحو إقامة الدولة.

 

        إن "المحطة" التي تقف عندها كلا القيادتين الاردنية والفلسطينية، تؤدي الى طريقين في اتجاهين مختلفين، وهي محطة للسفر وليس للاقامة، ولا يمكن "الانتظار" فيها طويلا، كما أن "الوقوف" يعتبر اذا طال "سكوتا"، ويعني في أغلب الأوقات سكونا أو "موتا" وكلا القيادتين، تتصارعان من أجل "الحياة".

 

        ويمكن تسمية هذه المحطة مجازا، "محطة أيلول" فقد تجابهت عندها، كلا القيادتين، في امتحان عسكري، في أيلول 1970 من أجل "البقاء" على نفس "الارض"، وتقفان عندها اليوم في أيلول 1988 في امتحان سياسي من أجل "الاستمرار"، ولكن على أرضين يفصل بينهما نهر الاردن الخالد.

 

        لقد اتخذت القيادة الاردنية قرار الانفصال وهو بالتوجه نحو "الذات" ومن ثم باتجاه الشرق والجنوب والعودة الى داخل البيت الاردني، لاعادة ترتيب أثاثه وغرف أصحابه، وصالونات نزلائه، وزواره، وأيضا تغيير أقفال أبوابه، وحصرها في مفتاح واحد، يملكه حاكم البيت وحده. وطلبت صراحة من القيادة الفلسطينية، التنازل والتراجع عن حصتها في البيت الاردني، وانها تأمل في موافقتها، لانها، أي القيادة الاردنية، تراجعت في المقابل. ومسبقا عن حصتها في البيت الفلسطيني بدون قيود أو شروط. وقد فعلت ذلك أمام تقدم "الانتفاضة" كحركة استقلال وطني، لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فوق تراب فلسطين، ولغايات إبقاء "الانتفاضة" ضمن حدودها الجغرافية والسكانية وحصر مسؤولية مستقبلها الأيجابي أو السلبي على حد سواء، بالقيادة الفلسطينية (م.ت.ف) وبالتالي عدم تمكين (م.ت.ف) من توزيع جهدها ودورها في موقع آخـر غـيـر مـوقـع "الانتفاضة". وبـنـاء عـلـيـه ما هي أجوبه (م.ت.ف) على (الانفصال) وسياساته وآثاره ؟