محطات غربية وشرقية في أزمنة الحوار
والمجادلة
عبدالمجيد بن
مسعود الحياة 2004/07/3
يعرض الأستاذ الألماني لودفيغ هاغمان, الأستاذ بكلية
اللاهوت بجامعة مونستر, والمختص بالعلاقات المسيحية - الإسلامية, محاولة
استمرت من وجهة نظره حوالى المئتي عام, لاستيعاب الإسلام والتفاهم معه, وحل
المشكلات العالقة بين اوروبا المسيحية والعالم الإسلامي, بالحسنى او بالقوة.
بعد تقديم في حوالى الخمسين صفحة عن الإسلام ديناً ودولة
وعلاقات بالمسيحية والمسيحيين, يبدأ المؤلف بذكر محاولات الأوروبيين لمواجهة
التحدي الإسلامي: تحدي الزحف المستمر باتجاه اوروبا المسيحية بعد سقوط صقلية
وإسبانيا والبرتغال, وتحدي إقبال مسيحيين كثيرين على الإسلام لأسباب مختلفة,
اهمها في نظر الأوروبيين قوة سلطانه وامتداد دولته.
وقد بدأت تجارب الاستجابة للتحدي بشن الحروب الصليبية,
وبترجمة القرآن الى اللاتينية للمرة الأولى. في الخطوة الأولى ارادت الكنيسة
كسر شوكة الإسلام, والقضاء عليه بمساعدة المغول إن أمكن. وفي الخطوة الثانية
كان هناك هدف مزدوج: فهم الإسلام من اجل محاربة إغراءاته, والتمكن من محاولة
المسلمين معرفة كتابهم المقدس وما نجحت الحروب الصليبية في المشرق, لكنها نجحت
في استرداد اسبانيا والبرتغال بعد صقلية, ولم يطُل الوقت حتى ظهر العثمانيون
فتجدد الزحف على أوروبا, وازداد شيوع الأوهام عن الإسلام على رغم تعدد مصادر
المعلومات, بما في ذلك ترجمة القرآن السالفة الذكر من جانب روبرت كيتون.
بعد ذلك, يذكر المؤلف المبادرات الأخرى من اجل الفهم
والاستيعاب, بعد اليأس من إمكان القضاء على الإسلام: محاولة فرنسيس الأسيزي
تبشير المسلمين بالرحلة الى الشرق, وكتابة توما الأكويني لكتابيه: منطق
الإيمان والخلاصة ضد الأميين, وكلا الكتابين في مجادلة الإسلام, ودعوة المسلمين
الى المسيحية الكاثوليكية. ويرى المؤلف ان هذه المحاولات بلغت الذروة في كتاب
مندس ماركي "ضد شريعة المسلمين", وكتاب نيقولاوس فولوكيس "نظرة
في القرآن", وردود مارتن لوثر على الإسلام, وخوفه من الترك وتشبيهه لهم
وللبابا في الوقت نفسه بالمسيح الدجال.
في القرن الخامس عشر وبدايات السادس عشر, كان الأوروبيون
قد اقتنعوا انه لا سبيل الى استيعاب الإسلام بل لا بد من مواجهته, ليس بالحروب
الصليبية (التي ختمها لويس التاسع في غزوتيه الفاشلتين الى مصر وتونس) بل
بالجدال والتحدي على ارض اوروبا ومن حولها. ومن جهة اخرى أدت الكشوف الجغرافية
سواء في الطريق الى الهند, او في الطريق الى اميركا الى تهميش العالم الإسلامي
تدريجاً, وهذا ما يلاحظه المؤلف عندما يستعرض بسرعة "طرائق فهم
الأوروبيين للإسلام في عصر الاستعمار, وصولاً الى الأزمنة الحديثة, والمجمع
الفاتيكاني الثاني.
كان المؤلف هاغمان قد اصدر قبل سنوات قليلة كتاباً
بعنوان: "المسيحية والإسلام, من المواجهة الى الحوار" يقصّ فيه
التجربة نفسها لكنه بعكس هذا الكتاب يركز على الحوار. وهو تلميذ عادل تيودور
خوري, الدارس المعروف للعلاقات الإسلامية - المسيحية, والذي يصدر منذ خمسة عشر
عاماً سلسلة متميزة من الدراسات عن الإسلام ورؤيته في الغرب, وقدرات وإمكانات
التحاور والتلاقي بين الدينين الكبيرين في شتى المجالات.
وكان ريتشارد سوذرن دارس العصور الوسطى البارز قد اصدر
مطلع الستينات من القرن العشرين كتاباً بعنوان "صورة الإسلام في اوروبا
في العصور الوسطى" عالج فيه الموضوع نفسه, لكن بطريقة اكثر تركيزاً ودقة
من طريقة هاغمان. بيد ان هاغمان يعرفُ العربية, وكان يمكن له ان يستعين
بالعربية والتركية لمعرفة ردود الفعل من جانب المسلمين بعد القرن الخامس عشر,
لكنه لم يفعل, ولذلك جاءت فصوله عن العصور الحديثة موجزة وغير ذات معنى كبير,
بعكس فصوله عن التجربة الأوروبية مع الإسلام بين القرنين الثاني عشر والسادس
عشر (بين ترجمة القرآن ومغامرة مارتن لوثر مع الإسلام).
اما الترجمة من الألمانية الى العربية فمقبولة, والحواشي
مفهومة ومفيدة. لكن هناك ارتباكاً في بعض الفصول بسبب كثرة الأخطاء المطبعية,
وأخطاء القراءة.
* لودفيغ هاغمان: مسيحية ضد الإسلام, حوار انتهى الى
الإخفاق. ترجمة محمد جديد. دار قدمس, 2004.
|