حديث المسيحية والإسلام... مواريث المواجهة وفرص التفاهم والمشاركة
الحياة 2004/07/3
أحصى عبدالمجيد الشرفي في دراسته: "الرد على النصارى حتى
القرن الرابع الهجري" (1974) زهاء الستين كتاباً ورسالة في الرد على
المسيحية, ومجادلة المسيحيين. في حين ذكر فوك هارنَك
في ثلاثينات القرن العشرين نحو الأربعمئة رد من
جانب المسيحيين على الإسلام, منذ يوحنا الدمشقي في القرن السابع/ الثامن
للميلاد وحتى القس بفاندر اواسط
القرن التاسع عشر, والردود المذكورة كثيراً ما يكرر بعضُها بعضاً مثلما هو
الحال لدى المسلمين. فالأسطورة القائلة ان الإسلام
هرطقة مسيحية, تتكرر منذ يوحنا الدمشقي (الذي يبدو انه اول
من صاغها) وحتى القس زويمر الذي كان يجادل الإسلام
والمسلمين في بيروت اثناء الحرب الأولى وبعدها.
وقد بدأت الأجواء
تتغيّر منذ ثلاثينات القرن الماضي حين ظهرت اطروحة
"لاهوت الأديان", والتي عنت تحديد "مواصفات" معينة, يُطلق
بمقتضاها "اسم الدين" على المنظومة اذا
تحققت تلك المواصفات, وهي على العموم اربع: وجود
فكرة الألوهية, ووجود نظام لاهوتي وأخلاقي يقوم
عليها, ووجود نظام للعبادات, ووجود مؤسسة دينية او
كنيسة تحرس المنظومة, وتدافع عنها. ثم تقدم الأمر بعض الشيء لدى لاهوتيي
البروتستانت عندما تحدثوا عن "مسيحية غُفْل" تنتشر في ديانات عدة
مثل اليهودية والإسلام والبوذية, من دون ان يعرف
معتنقوها انها كذلك. وعلى هذا الأساس عرض بعض
الكنائس الكبرى على المسلمين اواخر أربعينات القرن
الماضي, تحالفاً لمكافحة الإلحاد, وقد عَنَوا به
وقتها محاربة الشيوعية, في الحرب الباردة.
وما نجحت المحاولات
كثيراً, لأن التبشير كان لا يزال قوياً في اوساط
المسلمين. ولأن الدعوة تلك كانت تكتيكية لتغطية
الحرب, ولأن نكبة فلسطين, التي شاركت فيها كنائس قوية, كانت ما تزال متوهجة
الحرارة. وجاءت النقلة اخيراً في مجمع الفاتيكان
الثاني (1962 - 1965) الذي اعترف فيه خصوصاً باليهودية والإسلام باعتبار ما
فيهما, مشتركاتٍ مع المسيحية في الأصول (الإبراهيمية), وفي العقائد: الوحدانية
والنظام الأخلاقي وفكرة الحساب (في الإسلام اوضح
منها في اليهودية). واندفع الفاتيكانيون بعد المجمع داعين المسلمين للحوار
والتفاهم, حيث اجتمعت من وراء تلك اللقاءات حتى اواسط
تسعينات القرن المنقضي عشرات البيانات المشتركة ونشاطات للتحاور والمناقشة,
ومشروعات العمل المشترك, ومقررات المعاهد والمراكز والمجلات العلمية المتخصصة.
بيد ان المبادرة ما تزال في أيدي الكنائس الكبرى الغربية,
الكاثوليكية وغيرها من الكنائس البروتستانتية, والتي تحضر في الشرق منذ قرن
ونصف من خلال المدارس والمبشرين ودعم السكان بالمستشفيات والوسائل التعليمية.
فالكنائس هي التي تدعونا في الأكثر حتى الآن. وهي الى جانب الجامعات تملك معاهد البحث في العلاقات مع
المسلمين, والمجلات العلمية ووسائل النشر الأخرى في هذه الموضوعات. والمسلمون
قليلو الحماسة على رغم تضاؤل التبشير, ولا يكادون يملكون مؤسسة او أداة للمشاركة والدعوة او
المتابعة.
والمراد من وراء هذا
الملف قراءة اوضاع المجابهة السابقة, ودراسة
التجربة الحوارية خلال ما يزيد على الستين عاماً, وما هي إمكانات المتابعة
والنجاح, سواء في ما بين المسيحيين والمسلمين في الوطن, او
في العالم.
|