الانتحار في فلسطين: سرد عن اليأس
ذعر معنوي.. وانكشاف دائم امام المهانة والاحتلال القاسي.. وتحولات عنيفة في
داخل المجتمع الفلسطيني
هناك فرق بين قتل النفس والاستشهاد.. الحالات قليلة جدا.. والحديث عن ظاهرة
انتحار مثيرة للقلق
عرض وتقديم: ابراهيم درويش
حظيت العمليات الاستشهادية في فلسطين بعدد وافر من الدراسات والاعمال التي
تراوحت بين الرصانة الاكاديمية وتلك الشعبية الرخيصة، لدرجة ان الباحث في هذا
المجال يمكنه اطلاق مبحث استشهادلوجي ، ولعل من اهم الكتب التي صدرت في هذا
السياق في اللغة الفرنسية وترجم لعدد من اللغات هو كتاب حياتي هي سلاح ، للباحث
الفرنسي كريستوفر رويتر، الذي صدر العام الماضي عن دار جامعة برنستون الامريكية.
ومعظم الدراسات هذه كانت بالضرورة نتاجا لما اطلق عليه الحرب علي الارهاب الذي
يفهم في العديد من الاوساط بأنه، الحرب علي الاسلام. ولكن الانتحار باعتباره
ظاهرة تعبر عن مشاكل عاطفية ونفسية لم تبحث كثيرا في العالم العربي، وباستثناء
الدراسات الادبية التي كتبت في العقد الاخير من القرن الماضي، عن انتحار
المثقفين لمحمد جابر الانصاري مثلا، او الانتحار في الادب العربي، لخليل الشيخ،
فان الانتحار، او قتل النفس يعتبر من المحرمات في المجتمع العربي، ليس لان الذي
يقتل نفسه يخرق اساسا من اسس الاسلام وهي الحفاظ علي الحياة واليأس من رحمة
الله، ولكن كموضوع يظل خارج النقاش الاجتماعي والثقافي العام.
ولهذا فالانتحار، كظاهرة طبية، او مشكلة لها علاقة بالتوترات العاطفية والقلق
النفسي تعتبر في العالم العربي والسياق المجتمعي الاسلامي، حالة غريبة، وتظل
مرتبطة بالغرب. ومن هنا فان قيام باحثة فلسطينية ـ بريطانية، بتحليل ما اطلق
عليه في فلسطين باسم ظاهرة الانتحار ، يشير الي وجود وضع، او ارضية يقدم فيها
شبان وشابات لعدة اسباب علي قتل انفسهم او محاولة قتل انفسهم. ولهذا فكتاب
نادية تيسير الدباغ الانتحار في فلسطين: سرد عن اليأس يقدم اول دراسة علمية
طبية للظاهرة في فلسطين. والكتاب في اصله رسالة دكتوراة تقدمت بها الباحثة
لكلية لندن الجامعية .
وتقول في مقدمة كتابها كابنة لاجيء فلسطيني، فالاوضاع السياسية والتاريخية التي
عاشها الفلسطينيون خلال القرن الماضي كانت تثير اهتماما كبيرا لدي ، وقامت
بزيارة فلسطين عام 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1993، وفي سن التاسعة
عشرة دخلتها كمواطنة بريطانية، حيث سمحت لي السلطات الاسرائيلية بالبقاء اسبوعا
في البلاد التي ولد فيها والدي والتي سمعت عنها حكايات حنين كثيرة، عن الحياة
الوادعة وكروم البرتقال المعطر. وقضت الباحثة في عدد من الرحلات القادمة اوقاتا
في مستشفي الهلال الاحمر الفلسطيني في رام الله، وفي جامعة بيرزيت .
ظاهرة الانتحار في رام الله
ومع اعجابها بعزم الفلسطينيين وكفاحهم، الا انها كلما عاشت معهم، ودخلت في
اعماقهم عثرت كما تقول علي المعاناة الطويلة التي يعانون منها، بسبب الاحتلال.
فكل بيت فلسطيني لديه حكايته في مداهمات البيوت والضرب، الاعتقال والتشريد،
واكثر من هذا هو الاهانة اليومية التي يعانيها الفلسطينيون جراء الاحتلال .
وكثيرا ما تساءلت الباحثة كيف يستطيع الفلسطينيون التغلب علي هذه المصاعب
اليومية ومواصلة الحياة. ومع ان المجتمع الفلسطيني يشبه عائلة صغيرة تساعد
افرادها، الا ان بعض افراد هذه العائلة لم يكونوا قادرين علي احتمال المعاناة
والاذلال اليومي، ولهذا قررت تخصيص كتاب عن معاناتهم. وهو ثمرة اهتمامها بالبعد
الثقافي والاجتماعي للصحة والدواء. فبعد ان تخرجت من كلية لندن الجامعية
يونيفيرستي كوليج لندن ، قدمت رسالة دكتوراة في قسم الصحة النفسية في نفس
الجامعة. وهي الدراسة التي قامت باجرائها ميدانيا في عام 1997 في الضفة الغربية
وقطاع غزة، حيث اتخذت من مركز صحة المجتمع في جامعة بيرزيت، مركزا لهذا البحث
وركزت كما تقول علي ظاهرة الانتحار .
فمع وصولها لمدينة رام الله في تلك الفترة، كان هناك نوع من الحديث العام
والجدال بشأن هذه الظاهرة. وبناء علي معايشة لبعض ضحايا هذه الظاهرة اثناء
اقامتها في سكن البنات التابع لجمعية انعاش الاسرة الفلسطينية، ولقاءاتها التي
قامت بها في المستشفيات الفلسطينية في رام الله ونابلس والقدس وجنين وغيرها.
وتقول الباحثة ان ايذاء النفس ظاهرة عامة معروفة في العالم، الا ان التنوعات
الثقافية لها لهذه الظاهرة تختلف من مكان لاخر، ويلاحظ وجود اهتمام باثار
الحداثة والتغريب علي الاوضاع العقلية للسكان، بما في ذلك الانتحار. وفي غياب
الدراسات الواضحة عن ظاهرة الانتحار في العالم العربي، فان ما تقدمه الكاتبة في
هذا المجال، عن ظاهرة الانتحار الفلسطينية، يعتبر عملية استكشاف . فمواد الكتاب،
ومحصلته النهائية من التحليل تقدم في النهاية صورة عن اثر معدلات الثقافة علي
المجتمع الفلسطيني، اضافة الي اثار الحرب والاحتلال.
ابعاد الانتحار
وتري الدباغ ان هناك بعدين للانتحار في فلسطين، الاول متعلق بالخطاب العام عن
الظاهرة نفسها، اما البعد الاخر، فهو الافعال التي يقوم بها الافراد بعيدا عن
اعين الناس اثناء محاولتهم ايقاع الاذي بانفسهم. وقتل النفس في المعني
الفلسطيني، يرتبط بالثقافة التي بدأت تتراكم مع بدء العمليات الاستشهادية وتبني
الحركات الاسلامية لها في المعركة ضد اسرائيل، ثم دخول التنظيمات الوطنية
الاخري ساعة الفعل. فهنا يمكن الحديث عن ظاهرة قتل للنفس ذات بعد ثنائي:
الاستشهاد والانتحار، وهذان البعدان متضادان ومتعارضان في نفس الوقت،
فالاستشهاد يعتبر فعلا عاما، ضروريا في المعركة من اجل الحرية، فيما ينظر الي
فعل الانتحار، باعتباره قتلا للنفس، في الاولي تمجيد لقتل النفس اما الثانية
فتعتبر عارا. ولكن كلا الفعلين، العام والخاص، يحملان في طياتهما دلالات ثقافية.
فالانتحار بمفهومه الطبي النفسي، كظاهرة سجلت في مدينة رام الله التي تحولت
لعاصمة للسلطة الفلسطينية بعد نهاية الانتفاضة الاولي يشير الي اثار التحول من
حركة فعل جماهيري لوضع بناء مؤسسات وتحديث للمجتمع، ومن هنا فالحالات التي سجلت،
التي نجحت او الفاشلة تشير الي ما تسميه الكاتبة هنا الي حالة ذعر اخلاقي .
ولكن حالة الانتحار النفسية وقتل النفس جراء اليأس والقنوط علي الرغم من
ابعادها العامة، لها عوالمها الخاصة، والباحثة هنا تقدم دراسة وتحليلا لـ 31
حالة مسجلة في المستشفيات ودوائر الشرطة الفلسطينية، مع الاخذ بعين الاعتبار ان
هذه العينة ليست شاملة لان هناك صعوبات تواجه الباحث الذي يطمح لتحليل وفهم
الظاهرة، هو غياب السجلات فهناك الكثير من الحالات التي لم يتم تسجيلها في اي
من الدوائر الصحية والامنية، نظرا لتدخل العائلة. ولكن الدراسة تتعامل مع كل
حالة مسجلة باعتبارها منفصلة عن الحالات الاخري، علي الاقل في الدوافع والنوايا،
مع ان الكثير منها تتشابه في هذا الدافع او ذاك.
تعتقد الباحثة ان العينة الفلسطينية مقارنة مع العينات الغربية تظل قليلة،
فحالات الانتحار والقتل، وان شابهت في دوافعها ما يحدث في الغرب، الا ان
المجتمع الفلسطيني يظل مجتمعا محافظا، ونسبة التدين عالية جدا فيه. ولهذا فان
وجود مثل هذه الحالات يظل قليلا مقارنة مع الغرب، وتلقي الاعلام لها والحديث عن
ظاهرة الانتحار مثير للقلق. ولكن الدراسة تشير، بناء علي المعطيات الاحصائية
والوثائق الي زيادة محاولات قتل النفس في المجتمع الفلسطيني، خاصة في الفترة
التي تبعت نهاية الانتفاضة الاولي 1987 ـ 199.
تحدي المفهوم السائد
ومن هنا فنتائج هذه الدراسة مهمة من ثلاثة نواحٍ، اولا لانها تتحدي المفهوم
السائد في المجتمع العربي ان الانتحار هو ظاهرة بعيدة عن المجتمع الفلسطيني، او
العربي بشكل عام، وتظل لصيقة بالمجتمعات الغربية، والدراسة اظهرت العكس، حيث
اشارت لوجود محاولات قتل النفس وان كانت قليلة من الناحية الاحصائية. اما
الناحية الثانية فتتعلق بمنظور الدراسات النفسية التي تشير الي ان حالات
الانتحار تتراجع في وقت الحرب وتزيد في وقت السلم. اما الملمح الثالث فله علاقة
بالمفهوم الذي يقدمه البحث النفسي عن علاقة مستويات الانتحار مع تزايد العوامل
المؤثرة في ظاهرة الانتحار، مثل الفقر، ومع ذلك تلاحظ الباحثة انه مع وجود هذه
العوامل المؤثرة الا ان المجتمع الفلسطيني يشهد حالات انتحار قليلة.
تعترف الكاتبة ان عينتها ليست محايدة، نظرا لصغرها ولطريقة الجمع، خاصة ان
العديد من الملفات ضاعت او ان الشرطة لم تسجل حالة او محاولة الانتحار بناء علي
طلب العائلة. وفي نفس السياق تظهر الدراسة اثر الحرب والاحتلال والمعاناة
اليومية علي شعور الكثيرين ممن حاولوا الانتحار بالضعف وقلة الحيلة، وتتحدث
الكاتبة هنا عن الاثار المتعددة للحرب علي قصص الرجال والنساء الذين حاولوا قتل
انفسهم. فالمعاناة من اثار الاحتلال طويلة المدي ولا تنتهي بانتهاء العنف او
الحرب.
لاشك ان للضغوط الاجتماعية علي الرجل والمرأة اثاراً علي الحالات المسجلة، ففي
مجتمع يطلب فيه من المرأة الالتزام بقانون العفة والحفاظ علي طهارتها، ويتعرض
فيه الرجل لضغوط من اجل اثبات رجولته، وتوفير الامان الاقتصادي لعائلته، فان
هذه الضغوط تزيد من مخاطر اقدام الرجل او المرأة علي الانتحار.
تقول الباحثة ان الحياة بلا عمل تترك اثرا مدمرا علي الرجال، وبعض القصص التي
تقدمها الدراسة تظهر صورة عن الواقع الذي يشير الي زيادة معدلات البطالة،
والوضع الاقتصادي السييء الذي تزايد تفاقمه في مرحلة ما بعد اوسلو. ولكن ما
يطبع قصص الشبان والشابات الذين حاولوا الانتحار، هو اثر الاحتلال والحرب
والعنف السياسي علي المجتمع الفلسطيني. ولهذا فمجمل الحالات التي قدمت تظهر
اثرا واضحا للحرب، والاحتلال الذي حاول سرقة الارض والثقافة والهوية من
الفلسطينيين. وتقول الدراسة ان اوسلو لم يؤد الي السلام في الشرق الاوسط،
فالمعاناة الفلسطينية استمرت حتي بعد اوسلو، والقلق النفسي زاد معدله عام 1994
اكثر مما لوحظ اثناء الاحتلال الاسرائيلي في الثمانينات.
وتقول الباحثة هنا عندما يصبح المجتمع عرضة للضغوط النفسية، فان اثارها تظهر
بالضرورة علي الحلقة الاضعف، وهذا واضح في حالة النساء الفلسطينيات، اللاتي كان
لديهن السبب الواضح من اجل البحث عن حبوب مهدئة واخذها دفعة واحدة، وربما كان
هذا الكتاب شهادة عن النساء الفلسطينيات والجماعات الضعيفة في المجتمع العربي
التي كان عليها البحث عن اساليب متعددة للتصدي للوضع من اجل النجاة بدلا من
كونه كتابا عن الضعيفات اللاتي يدفعن للانتحار . ومن هنا فان اهم مظهر من مظاهر
الحياة الفلسطينية هي انكشافها الدائم امام واقع العنف السياسي.
سرد المهانة
ومن اهم ملامح الحياة في ظل الاحتلال هي ان الانكشاف الواضح للعنف السياسي يخلق
لدي السكان مواقف تتعلق بالمأساة والرضوض النفسية التي تختلف عن تلك المواقف
التي تظهر في المجتمعات التي تعيش استقرارا سياسيا وامانا اجتماعيا. وتقول
الباحثة ان السكان الذين يعيشون في ظل القتل اليومي والدمار يصبح الموت بالنسبة
اليهم حدثا عاديا، وهذا قد يفسر استعداد اعداد كبيرة من الشبان للمشاركة في
العمليات الاستشهادية، فاذا كنت تعيش في مناخ الموت والقتل اليومي، فان
الاستشهاد قد لا يكون فعلا متطرفا في هذه الظروف.
اضافة لذلك فان معدلات التحديث والتطور لها اثر في بعض الحالات المسجلة هنا،
حيث تقترح الباحثة ان قيام بعض الاشخاص بابتلاع كميات من الحبوب، ربما يكون
محاولة للاحتجاج علي الوضع الاجتماعي المتعلق بدرجات التحديث والتغريب.
وفي اثناء البحث عن الاسباب التي تدفع الاشخاص لاحداث ضرر علي انفسهم، تقول
الكاتبة ان في الكثير من الحالات ونظرا للتغييرات التي حدثت في المجتمع
الفلسطيني، وتعرض الفلسطينيين لعدد من العوامل التي تدفع للكآبة والامراض
النفسية، فان الاشخاص هؤلاء يقومون بهذا الفعل نظرا لرؤيتهم لوضعهم
الاجــــتماعي، باعتبارهم افرادا لا حول لهم ولا طول، ومن هـــــنا فان اخذ بعض
الحبوب او احداث اذي جسدي يعتبر نوعا من انواع الاحتجاج او وصولهم لحالة من
اليأس والقنوط.
وتعتقد ان زيادة حالات الانتحار في فترة ما بعد الانتفاضة لا يمكن ان تفسر من
خلال تغيير اشكال الضغط النفسي فقط ولكن بسبب الضغوط النفسية الكبيرة التي
شهدها المجتمع الفلسطيني في حقبة التسعينات من القرن السابق، علي كل الاصعدة
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ومن هنا فالعينات التي اختارتها وقابلتها
الباحثة، اختيرت لان شيئا ما غير طبيعي حدث في حياتها، فقد وصل هؤلاء الافراد
لمرحلة لم يعدوا فيها قادرين علي التواصل مع الحياة او الوضع. مع ان الغالبية
العظمي من الشعب الفلسطيني قالت انها استطاعت التكيف والتغلب علي المصاعب
والظروف المتغيرة بفعل الاحتلال، مما ادي الي نسب قليلة في الانتحار او محاولته
مقارنة مع اوضاع اخري في الدول الصناعية. ويعتقد ان هذا يرجع الي التماسك
الاجتماعي، وللوازع الديني، والشعور الدائم بالانتماء. واظهرت دراسة اجراها
براين باربر علي الاطفال الذين شاركوا في الانتفاضة حيث لاحظ قدرة هذا الجيل
علي التعافي سريعا من رضوض الانتفاضة، والمح الي البعد الديني والايديولوجي،
والتركيبة العائلية القادرة علي التكيف والتعافي السريع امام الاوضاع السياسية
المتغيرة.
ومع ذلك لاحظ الباحث انه بعد سنوات من نهاية الانتفاضة الاولي فان بعض المظاهر
السلبية واصلت حضورها خاصة في السلوكيات المنحرفة عند البعض. ولكنه يعتبر ان
هذا السلوك مقصور علي الاشخاص الذين لا يتمعتون بتماسك عائلي وبعيدين عن
المؤسسات التعليمية او الدينية. وتعتقد الباحثة هنا ان النتيجة السابقة تناسب
الملاحظات العامة التي قامت عليها دراستها هنا، من ناحية ان معظم الذين حاولوا
الانتحار او انتحروا اظهروا نوعا من التصرفات المنحرفة، حيث كانوا بعيدين عن
المؤسسة التي توفر لهم الحماية والوقاية العائلة او المؤسسة التعليمية او
الدينية . ومن هنا فان محدودية حالات الانتحار في المجتمع الفلسطيني، تشير الي
السلطة التي تمارسها هذه المؤسسات في توفير الجدار الحامي لابناء المجتمع،
وتحصنهم من الاثار السلبية للضغوط النفسية الناجمة عن الوضع السياسي والاحتلال.
ولكن هذا لا يعني ان مؤسسة البيت او العائلة لا تكون في بعض الحالات عاملا يدفع
نحو الانتحار، ففي معظم الحالات، فان المصاعب التي ادت بالاشخاص للانتحار هي
تلك التي نجمت عن ضغوط العائلة، مثل الزواج، حيث وجد الفرد نفسه في وضع لم يعد
فيه قادرا علي ممارسة دوره او التواصل معه.
وتري الدراسة ان المجتمع الفلسطيني بشكل عام يواجه الكثير من الاوضاع التي تهدد
السلامة النفسية ولهذا السبب فهم بحاجة الي المؤسسات الاجتماعية التي توفر لهم
الدعم والحماية. ويقول بعض المعلقين ان اسرائيل التي لاحظت القوة الداخلية
للمجتمع الفلسطيني بدأت باستهداف العائلة عبر تدمير البيوت وترحيل عائلات منفذي
العمليات الاستشهادية.
حالات محدودة ولكن..
ان محدودية حالات الانتحار في المجتمع الفلسطيني، لا تعني باي حال من الاحوال
عدم الانتباه للسلوكيات المؤدية للانتحار . ومن اجل تحقيق هذا، يجب الانتباه
للدور الذي تمارسه المؤسسات التعليمية والدينية وفوق ذلك موسسة العائلة، لانها
تقوم بدور كبير في التقليل من مخاطر الانتحار. وهناك حاجة للتصدي لبعض القضايا
المتعلقة بالعائلة ومناقشتها بصراحة، مثل العنف المنزلي، والزواج المبكر وعدم
تشجيعه. وخارج مؤسسة العائلة يجب التأكد من تواصل البرامج التعليمية والا فان
اجيالا من الفلسطينيين ستعاني ولامد طويل من اثار الوضع السياسي.
اضافة لهذه الامور، تري الباحثة ان التصرفات التي تقود للانتحار غالبا ما يتم
التعامل معها بشكل خاص داخل العائلة، ومن الصعوبة بمكان لاي شخص خارج العائلة
ان يقوم بتقديم النصيحة للشخص الذي تظهر عليه اعراض القلق النفسي. يضاف الي ذلك
ان المجتمع الفلسطيني لا يزال يتعامل مع المرض النفسي بطريقة سلبية وباعتباره
سبة او عارا، كما انهم الاطباء النفسيين في العادة ينظر اليهم علي انها اطباء
للمجانين فقط.
وهذا الموقف يترك اثرا علي الحالات التي قد تستفيد من العلاج النفسي. ولم تجد
الدراسة اي تقييم نفسي للاشخاص الذين ينقلون لغرف الطواريء في المستشفيات بعد
محاولتهم الانتحار،كما ان عدد المحللين والخبراء النفسيين في المجتمع الفلسطيني
قلة. ولاحظت الباحثة نوعا من الوعي بضرورة نشر التوعية في مجال الصحة النفسية
في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن الاوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة تجعل من
تصحيح الوضع هذا حلما.
تعود الباحثة في اكثر من مرة للحديث عن الاثر البارز الذي تتركه الممارسات
الاسرائيلية علي الفلسطينيين واوضاعهم النفسية، وتختم كتابها بالقول الحياة في
ظل الاهانة الحالية، والاحتلال القاسي، هي في قلب اهتمامات هذا الكتاب، والذي
جاء من خلال سير ومواد قدمها اشخاص تذكروا تجاربهم بنوع من الحيوية.. ومع ان
هذه المجموعة لا يمكن استخدامها للتكهن بطبيعة الشخص الذي قد يقرر الانتحار،
الا انها مفيدة في فهم سرد المعاناة النفسية التي قد تؤدي في ايام الحرب والسلم
الي معرفة الاشخاص الذين قد يكونون عرضة لحالات الانتحار وبالتالي مساعدتهم .
يقدم الكتاب نقاشا مهما حول فكرة الموت في الاسلام، خاصة الانتحار او الاستشهاد
ويحتوي علي مواد جيدة من التراث الاسلامي، والادب العربي، حيث تلاحظ الكاتبة ان
فكرة قتل النفس لا تحظي بقبول عام مثل فكرة الاستشهاد. والكاتبة واعية لاثر
الاحتلال والتغييرات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني. وتظل
دراستها الاكاديمية هذه استثنائية لانها الاولي التي تختص بالحديث عن ظاهرة
الانتحار الفلسطينية، خاصة ان الاهتمام بالوضع الفلسطيني، ظل مقصورا علي
انتهاكات اسرائيل لحقوق الانسان والاعتقال والتعذيب، او العنف المحلي الممارس
ضد المرأة، ولكن الوضع تغير قليلا بعد عام 1996 حيث بدأت تظهر في المشهد العام
الفلسطيني بعض الدراسات والمقالات التي تحلل وتحذر من ظاهرة الانتحار.
ناديا تيسير الدباغ، باحـــثة متخصـــصة في الطب النفسي تعمل في مستشفي رويال
فري في لندن.
عنوان الدراسة بالانكليزية:
Suicide in Palestine
Narratives of Despair
By
Nadia Taysir Dabbagh
Hurst& Company
London/ 2005
Al-QUDS AL-ARABI /
القدس العربي
www.alquds.co.uk |