Religious Studies Unit Home
Home > Religious Studies Unit
Print this page

          Also See:
The Story of Joseph: A Christian perspective (in English)

The Story of Joseph: A Jewish perspective   (in Englsih)

Photos & Participants

If the Arabic characters are not displayed correctly, choose from your Browser menu:
View - Encoding - Arabic (Windows)

 

 

يوسف عليه السلام في القرآن الكريم

برقيات من قصة يوسف في القرآن الكريم

 

 

          الدكتور إبراهيم أبو سالم§§

 

الحمد لله رب العالمين، نحمدك اللهم حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على النور المبين، وآله الطاهرين وصحبه الخيرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،،

فقد رغب أحد الأخوة الكرام إليّ أن ألقي محاضرة بعنوان "يوسف عليه السلام في القرآن الكريم"، ورغم انشغالي النفسي وشرود القلب في ظروف القهر التي يعيشها شعبنا في ظل انتفاضة الأقصى، مما لا يعين كثيراً على البحث والتحضير، وحتى على مجرد التركيز، إلا أنني غالبت نفسي ورأيت أن الأنسب أن لا أرد طلب أخي ولما في ذلك من خير كذلك.

ملحوظه: لكن الحديث عن سورة يوسف التي يتوزع ذكر ذلك النبي الكريم على آياتها جميعاً-على وجه العموم- طويل طويل، لا يمكن أن يأتي عليه محاضر في وقت محدد مهما طال زمن المحاضرة، لأن الذين استغرقوا في ذكر التفاصيل، نافت صفحاتهم حول القصة عن ألف وخمسمائة صفحة في مؤلف واحد، وما أكثر الذين تعرّضوا لهذه السورة الكريمة والقصة الكريمة بحثاً ودراسة ومقارنة، فأين محاضر ما من هذا الحشد الكبير من تلك الدراسات؟

لذلك بدا لي أن الأنسب أن أجعل محاضرتي برقيات وحسب دون الغوص في التفاصيل ودقائق الأمور، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن من المناسب الإشارة إلى أن المحاضرة لن تكون تفسيراً للسورة لأن تفسير آية أو موقف يستغرق وقت المحاضرة، ولن أكتب كثيراً من الآيات لأن مجرد تلاوتها يستغرق الوقت المحدد القصير.

وأخلص للقول أن عناصر الموضوع ثلاثة:

الأول: يوسف مع أبيه واخوته.

الثاني: يوسف في بيت العزيز وفي السجن

الثالث: يوسف على خزائن الأرض

 

بين يدي الموضوع: أكثر من سورة في القرآن الكريم سميت باسم نبي، منها سورة إبراهيم، ويونس ونوح ومحمد عليهم جميعاً الصلوات، لكن ذكر كل نبي في سورة كان محدوداً جداً أو نادراً إلى درجة أن سورة يونس التي آياتها مائة وتسع لم يذكر فيها يونس إلا مرة واحدة في الآية 98، وهكذا، لكن سورة يوسف كانت مخصصة من أولها إلى آخرها – بالتقريب- وان شئت فحتى الآية (101) لذكر دقائق وتفاصيل أحداث هامة في حياة الكريم بن الكريم بن الكريم.

وبتعبير آخر لم تفصل سورة ما في حياة نبي أكثر من هذه السورة في حياة هذا النبي، ولعل هذا من أسباب تسمية القصة (أحسن القصص) (نحن نقص عليك أحسن القصص) بالإضافة إلى كون القصة مذكورة بتفاصيلها فيما يسمى (العهد القديم-التوراة) مما يسمّى (الكتاب المقدس)، ولقد قدر لي أن اقرأها دراسة فأجد قرابة خمسين فرقاً بينها وبين القصة القرآنية. وحين قدّر لي تدريس مادة القصص القرآني في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة القدس استغرق تدريس هذه القصة فصلاً كاملاً.

والآن إلى العناصر الرئيسة الثلاثة للموضوع:

العنصر الأول: يوسف مع أبيه وأخوته

وتبدأ الأحداث من رؤية يوسف عليه السلام التي قصها على أبيه وتختم بوجوده ابتداءً في مصر.

البداية: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، انفردت سورة يوسف بنماذج متنوعة لرؤى ومنامات، هذه أول واحدة، والثانية والثالثة ما رآه صاحبا السجن والرابعة ما رآه الملك، ورغم اختلاف الرائين بتراوح بين نبي وملك وسجناء مدنيين، إلا أن هناك تأويلاً بيناً لكل منها كما رأينا

وراثة النبوة:

مما اختص به يوسف عليه السلام أنه نبي بن نبي بن نبي بن نبي، الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، وهذا ملحوظ فيما رآه وما تم تأويله، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله e: "أي الناس أكرم؟ قال أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا".

حب متبادل:

قول يوسف لأبيه: (يا أبت إني رأيت...) واضح في الأدب الشديد مع الوالد يذكرنا بقول إسماعيل لوالده إبراهيم عليهما السلام في قصة الذبح ( يا أبت افعل ما تؤمر) وحيث وُجد الأدب الجم من الابن انعكس ذلك على علاقة أبيه وحسن مشاعره، ومعلوم أن الكبير بحاجة إلى من يؤنسه ويسليه ويحادثه، وهذا نموذج مما فعله يوسف عليه السلام، ويقابل حسن خلق الابن بمحبة الأب ونصيحته المخلصة، فيرد على استشارة ولده له بالقول (يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً) (كل ذي نعمة محسود)، (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)، ويبدوا أن الأب يعرف جيداً سلوك أولاده الكبار، فإذا ما علموا بخبر رؤيا يوسف ثارت نار الغيرة والحسد في نفوسهم وانعكس ذلك حقداً وكيداً، وربما يكون الأقربون أشد الناس حسداً ولو كانوا أخوة، ولاس يخفى ما بين الأشقاء عادة من منازعات وخصومات أساسها الحسد بسبب المال أو الجاه أو السلطان أو غير ذلك.

ويمضي الوالد الناصح بتأويل الرؤيا بأن الله سيختار هذا الابن ويصطفيه بالعلم والتأويل وذلك الطريق إلى النبوة كما حدث لآبائه من قبل (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب...)، (لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين...) الدروس والعبر في قصة يوسف u ما أكثرها وما أجلّها، وسنأتي على بعضها في ثنايا الموضوع وربما نجملها في النهاية. (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، .... اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا...).

يعقوب عليه السلام هو إسرائيل نفسه وبنوه هم بنو إسرائيل، وكل ما يحصل حتى مع أخيهم هو نموذج واضح للنفسية الإسرائيلية، فما ذنب يوسف u المعلن؟ أنه حبيب أبيه وأخوه الصغير كذلك، وهذا الحب مبرر، فالصغير أقرب إلى قلب الأبوين، والودود كذلك فهو بحسن أخلاقه قادر على أن يأسر قلب والده الشيخ الكبير، وهناك أسباب أخرى لحب الأب، فهذا الصغير محروم من حنان أمه التي توفيت قبل أن تمنحه من حنانها ما يستحق.

ومهما كان سبب الحب، فما هي الجريرة التي يؤخذ بها إلا أنه يستحق الحب، وهل الأخ "ضرة"؟ أم لأنه ابن (ضرة)؟ وإذا كانوا هم يعملون بالرعي وهذا لا يرعى هو وأخوه فما لا يحتاج إلى بيان أن الأكبر والأقدر على ممارسة العمل أولى من الصغير، ولا يتصور أن يتحرك اثنا عشر أخاً معاً فقط لرعي الغنم! وإذا كان هؤلاء الكبار يعملون خارج البيت، فلا يخلو أن يقوم الصغار داخل البيت بأعمال أخرى هي أليق بهم، وأدناها خدمة الوالد الشيخ.

 

نموذجان من الأخوة:

رأينا فيما سبق أدب يوسف والتصاقه بأبيه وتشاوره معه وتسليته له، ونرى الآن أخوة (ولو كانوا أبناء نبي) يكيدون ليس فقط بأخيهم وإنما بأبيهم فما يحدث مع الولد الحبيب من شر ينعكس على الأب المحب، وربما ألم الأب أكبر، ويأتي لاحقاً فقده بصره من شدة الغم!! ونرى قلة الأدب ( أن أبانا لفي ضلال مبين)!!

 

مؤامرة غير مبررة:

(اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين) هكذا يفكر بنو إسرائيل مع الآخرين، القتل.. الإبعاد، ما أهون النفس البشرية، وما أقسى القلوب! كيف لا والقرآن الكريم في مواضع عدة يصفهم بأنهم (يقتلون النبيين بغير حق) تلك قسوة القلوب (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو اشد قسوة...).

لماذا يهلكون أخاهم بالقتل الفعلي أو الأبعاد (اطرحوه أرضاً) الذي مؤاده الى الموت غالباً؟ لا لذنب ارتكبه، وإنما لحب أبيه له، فلتكن العقوبة للطرفين للأب والأخ معاً، العقوبة الجماعية وذلك ينعكس على الأخ الصغير الآخر وهكذا.

 

من سمات بني إسرائيل:

التخطيط لقتل الآخرين، إبعاد الآخرين عن وطنهم، العقوبات الجماعية ، قسوة القلوب، الحسد، الاستعلاء والأنانية، (أنا خير من غيري، وأنا فقط، إذا مت ظمئاناً فلا نزل المسطر)، ارتكاب الجريمة مع سبق الإصرار مع التلفظ باحتمال الاعتذار لاحقاً، (وتكونوا من بعده قوماً صالحين) أي نتوب عن فعلتنا، الغاية تبرر الوسيلة، (يخل لكم وجه أبيكم) فلا بأس من ارتكاب جريمة في حق بريء من أجل أن نزيح العقبات من طريقنا دون الأب، وحتى هذا التعبير فيه ما فيه من سوء الأدب، (وجه أبيكم) وليس (وجه أبينا). وهم على ذلك مجموعة يعني عشرة أصوات لكن صوتاً من العشرة رأى تخفيف الحكم (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين)، فأرحم واحد فيهم وأصلحهم وأورعهم حكم على أخيه البريء بالرمي في الجب ليباع كما يباع العبيد، والمحصلة واحدة، الإبعاد القهري والقسري وزرع الحسرة في نفس الضحية وأخيه وأبيه، وهم يتلذذون على جراح ومصائب الآخرين، هذا أرحم صوت ارتفع!

 

المؤامرة والحيلة:

 

لم نجد بين عشرة من الأخوة ذا قلب رحيم وعاطفة بريئة صادقة ينقض ما اتفقوا عليه ويسرّب الخبر الى الأخ والأب طمعاً في نجاة الصغير، اجتمعوا وما أسوأ ما اجتمعوا عليه: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون، أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون).

بعض أخلاق بني إسرائيل (المباشرين)!!

المؤامرة والحيلة، ومخاطبة الأب بفوقية أو بأفقية، وليس من أدنى إلى أعلى كما ينبغي (مالك لا تأمنا) سؤال استنكار، الكذب: توكيد النصح (إنا، له، اللام  ) لناصحون)، تغليف الجريمة، هم يريدون إلقاءه مما يؤدي إلى بيعه أو هلاكه، ويظهرون مصلحته، (يرتع ويلعب) ويؤكدون حفظهم له بعد نصحهم (وإنا له لحافظون) ويراود الأب ويحتال دون جدوى.

كان إحساس الأب في محله أن الولد في خطر، لكن طريقة بعض الكبار المجاملة على غير قناعة، وما خطر على بال الأب أن يصل مستوى أبنائه إلى هذا القدر من الانحدار والخبث، (قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون) يحاول الأب أن يتخلص ولا مناص، ويصر الأخوة على كيدهم ومكرهم بكل الأساليب، الكذب تارة وعرض عضلات القوة تارة، والمراهنة أخرى!!! ولكنهم حكموا على أنفسهم أنهم عصبة خاسرة، (قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون)!

 

إجماع بلا رحمة

ما أحسن الإجماع على خير، وما أقبح الإجماع على باطل، وجريمة، (أليس منكم رجل شديد؟!)

(فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب....) وتلك حتى الآن نية جازمة ولم تصل إلى درجة الفعل، ولو وجد تراجع قبل التنفيذ لكانت حسنة إذ الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولكن القرآن الكريم يتركهم ونيتهم وغفل ذكر التنفيذ وسوء الأداء وتفاصيل الجريمة، وإذا يوسف في ظلمات البئر! وهذا إيجاز حذف، فماذا نستطيع أن نتخيل وكيف نتصور التفاصيل؟! هل كان يوسف صباح اليوم الموعود بالرتع واللعب مسروراً سعيداً؟ كيف أستعد ليوم من الفرح واللهو؟ ماذا ارتدى من ملابس تلائم ذلك الجو؟ ماذا قال لأبيه؟ وماذا قال له أبوه؟ هل دعا أخاه الصغير للذهاب معهم؟ وماذا كان موقف الصغير؟ وفي الطريق هل أحسنوا إليه بالفعل والقول أم بدت على جوارحهم بعض مكنونات قلوبهم؟!.وإلى أي حد أخذوه؟ هل نأوا كثيراً في المرعى أم ذهبوا إلى المراعي المعهودة؟ هل تدارسوا الجب المعهود بعناية؟ هل كان فيه بقية من ماء أم هو مهجور؟

ولنا أن نفجع بلحظة إسقاطه في البئر؟ هل كان إسقاطاً وحشياً بمعنى "قذفوه" أم أنزلوه بحبل من حبالهم؟ ماذا قالوا له مؤنبين منتقمين إبان ذلك وقبيل ذلك وبعد أن اطمأنت نفوسهم إلى التخلص منه؟

أما هو فماذا عساه فعل أو قال؟ هل صرخ أو استغاث أو صمت مجالداً نفسه أم ترجّى أم حرّك عواطفهم لو كان عندهم عواطف؟

لا ندري... لنتخيل ذلك كله أو بعضه أو سواه!!، ونحن نتحدث عن ولد صغير ربما يكون حول العاشرة من العمر وبالغ كثيراً من رفع عمره إلى سبع عشرة سنة! لأنه حينئذ شاب لا يليق به كثيراً في ذلك الزمان وذلك الظرف، (يرتع ويلعب)، ولو كان كذلك لدافع عن نفسه أو قاوم..الخ.

على كل حال، تجلّت قسوة بني إسرائيل حتى على أخيهم ومكرهم وسوء أعمالهم وكذبهم، كل ذلك حتى يخلو لهم وجه أبيهم!

 

الله مع المظلوم:

وفي قمة المأساة لا بد أن تنزل السكينة والأمل على نفس المظلوم الصابر الرضيّ، (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) وهذا وحي الهام لا وحي نبوّة، فإن تخلى عنك الأقربون وتكالبت عليك النفوس المظلمة فاعلم أن باب الله مفتوح وأن رعايته كائنه. (فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا).

 

تمثيلية مكشوفة:

وبعد الفراغ من الجريمة لا بدّ من البحث عن مخرج وكان الأجدى أن تتحرك عاطفة أحدهم على الأقل واحد من عشرة ويعود إلى صوابه ويكشف معالم الجريمة لعلهم ينقذونه قبل فوات الأوان، فما أسهل في بضع ساعات أو أقل العودة الى الجب واستخراج يوسف ثم الاعتذار. لكن من طبائع بني إسرائيل التمادي في الجريمة. وعلى أحسن الأحوال الاعتذار المقزز، فبعد قتل أربع نساء بدويات في بيت شعر كانت نتيجة التحقيق أن إطلاق النار كان خطأً وعلى غير المكان، ولكن حدث ما حدث، وعفى الله عما سلف!

 

تمثيل البكاء:

(وجاءوا أباهم عشاءً يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين، وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، هل نستطيع تصور فجيعة الأب الشيخ من مشهد أولاد يعودون من غير يوسف الحبيب؟ وكم حجم الألم حين يلدغ النبي من أولاده وهو يعلم؟!. الأبناء العشرة يعودون متأخرين معتذرين على فقدان أخيهم بعذر هو أقبح من ذنب! قالوا من قبل ( وإنا له لحافظون)، وقالوا (وإنا له لناصحون)، وقالوا: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون)، وأرادوا بإلحاح اصطحاب يوسف من أجل أن يرتع ويلعب، والآن: هم الذين ذهبوا يستبقون ويلهون وحرموا يوسف من هذا النشاط!، لا بل كلفوه بالحراسة وهو دون سن الحراسة!.

لكن لهجة الكاذب لا تخفى (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)، هي رسالة الكاذب بين شفتيه توضح ما تخفي جنباته، لكن هناك أدلة أخرى على الكذب غير اللهجة الفاضحة.

1-    لو كان الذئب أكله، هل أكله كله ولم يبق منه عظماً ولو بقي لأحضروه.

2-    لو كان الأكل بمعنى الجرح والتحطيم، وهو الأكل المجازي وهكذا يفعل الذئب في العادة، فأين الجسد؟

3-    لماذا ترك الذئب كل الغنم صغيرها وكبيرها وهاجم الغلام.

4-    كيف أحضروا القميص دون سواه وكيف أكل الذئب يوسف وظل قميصه سليماً من الأذى؟ لأنهم لطخوا القميص بدم حيوان وكان دليلاً واضحاً على كذبهم، حتى قال يعقوب: ما أرحم الذئب أكل ولدي دون أن يمزق قميصه، كأنما نزع عنه القميص برفق ثم أكله!

مصيبة الأب بأبنائه، قالوا: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند، فكيف إن كان الظلم من الأبناء الصلبيين؟ انقطعت أمام يعقوب السبل فلم يجد سبيلاً إلا سبيل الله، (فصبر جميل والله المستعان).

 

يوسف في الجب:

(وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون، وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين)، غلام كاد له إخوته، ألقوه في الجب، ظلام الجب برودته، هوامّ الليل، الخلوة والوحشة، الضيق النفسي، شيء من ذلك كفيل أن يقضي على حياة الغلام، ولكن رباطة جأشه وقوة صبره وإيمانه ورعاية الله أولاً واخراً أبقى كل ذلك على حياته مع أن الموت محيط به من كل جانب.

كم بقي يوسف في الجب؟ ليلة واحدة أو عدة ليال؟ هل عاد بعض إخوانه في اليوم التالي يطمئنون على وجوده، هل خاطبهم أو خاطبوه؟ الله تعالى أعلم....وكل ذلك بعضه أقسى وأشد إيلاماً من بعض، جوع يوسف وعطشه وقلقه وهمه وخوفه، عناصر مهاجمة لا يقوى على تخفيفها إلا الإيمان. وبينما يوسف في هذا الجو الأليم مادياً ومعنوياً، إذ جاء بصيص أمل ينقذه من بعض ما هو فيه، قافلة ترسل باحثاً عن ماء ويلقي بدلوه في الجب مما يدل على أن هذا الجب كان على طريق القوافل وكان فيه بقية من ماء في العادة، فخرج الغلام متعلقاً بالدلو ودخل السرور نفس الوارد وبشر التجار ببضاعة مجانية، إنه غلام سيضيف الى ربحهم جديداً.

ولنا أن نتخيل حواراً ما بين الغلام والقافلة، يرجوهم إطلاق سراحه أو إعادته الى أهله مقابل أي ثمن لكن قوبل بآذان موصدة وأسرعوا به بضاعة سرية حتى لا يكشف أمره أحد، وبهذا حكم عليه بالابعاد البعيد والرق الجبري والبيع كما البضاعة وهذا ثقيل مهين على الإنسان العادي، فكيف به على نفس الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم؟

 

العنصر الثاني: يوسف في بيت العزيز وفي السجن

هذا هو الغلام المدلل يباع في السوق بدراهم معدودة، ويزهد فيه من باعه خوفاً من بحث أهله عنه، وكان قدره أن يضمه بيت عزيز مصر، ثراء ونعمة، إلا أنه لا يمسح جرح الغربة والإبعاد والعبودية. رب البيت يوصي زوجته بهذا الغلام خيراً طمعاً في نفعه أو تعويضاً لعدم إنجابهم، ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً).

 

بلاء من نوع جديد:

يواجه يوسف في بيت العزيز امتحاناً قاسياً على نقيض السابق، فذلك متعلق بحياته أو وجوده، وهذا متعلق بشرفه وكرامته ودينه، ذلك امتحان القسوة، وهذا امتحان الرخاء وكل منهما أسوأ من الآخر، لكن هذا أفظع، ولو خسر الإنسان حياته محتفظاً بدينه وخلقه فهو عزيز كريم في الدنيا والآخرة، أما إذا انزلق في الرذيلة مهما علا وسضعه الاقتصادي والاجتماعي فالذل والخسران وغضب الله. كل أسباب الفتنة متوفرة؛ شباب متدفق وحاجة ماسة للطرف الآخر وغريب وهو بهذه الصفة أقدر كثيراً على ممارسة الشهوة، وعبد هو أحوج لإرضاء سيدته لتتعزز مكانته وترقى أسهمه ويتمكن موقفه،

وفي الطرف الآخر جمال وثراء وزينة واندفاع، في هذا الظرف المشحون امرأة العزيز تراود الفتى وتعرض نفسها بكل أنواع العرض في خلوة مغرية، تقدم نفسها بالحركات مرة ومرة ومرة في يوم وشهر وسنة وسنتين، ويفهم الفتى جيداً ماذا تعنى ويمثل دور من لا يعرف من قريب أو بعيد، فكأنما كانت تسبح في الهواء أو تطير في الصحراء، آذان مغلقة وعيون موصدة وقلب محكم، فكان لا بد لها من التصريح الشديد (هيت لك) بعد (تغليق الأبواب) ويكون الجواب بالرفض القاطع (إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) فهذا الفعل ظلم من وجوه عديدة، ظلم للنفس والمعصية ظلم، وظلم لصاحب البيت الذي رعاه وأكرمه وأوصى به، وإغفال الجميل ومكافأة للنعمة بالنكران.

والنص القرآني يصور حتى مشاعر الطرفين:

(ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)

أما هي فهمّت به هم فعل بدليل تغليق الأبواب وقولها (هيت لك) أي جهّزت نفسي من أجلك وتلاحقه وتقدّ قميصه وهو راكض، أما هو فلقد كان همه تحرّك نفس، وهذا أمر طبيعي كشاب سليم أن ينفعل ويميل للجنس الآخر لكنه قاوم وانتصر، أما برهان ربه فربما يكون لمعة الإيمان في نفسه أو غير ذلك، وإذا سوّينا بين همها وهمه من حيث النوع فالآية تقول عقب همه (لولا أن رأى برهان ربه) ولولا تلغي ما قبلها، كقولنا: سقط من فوق السطح لولا أن أمسك به أخوه، إذن لم يسقط، وحاول أن يركض هارباً وتبعته وجاء ذكر القميص مرة أخرى وكان برهان نجاة، مزّق القميص من الخلف، وبقدر من الله فوجئا بوجود (سيدها) أي زوجها عند الباب، فسارعت إلى الشكوى وقلب الحقيقة واتهامه بالمنكر وتجهيز لائحة الإتهام وإصدار الحكم، السجن أو التعذيب، وربما كان ذلك تهديداً طمعاً في موافقته على رغبتها لاحقاً، فلم تذكر (القتل).

لكنه دافع عن نفسه بما أوتي من عقل وحكمة، وذكر الحقيقة كما هي باختصار، وهذا شأن من رزقه الله الأدب وحسن الخلق، فلم يدخل في التفاصيل حفاظاً على المشاعر، لكن شهادة الشاهد من أهلها صبياً كان أو عاقلاً كبيراً انقذت الموقف، وكشفت اللثام عن الصواب، (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم).

وتوجه العزيز المنكوب في عرضه بالحديث ليوسف أن يمسك عن القصة ويعرض عن ذكرها لأحد تستراً، واكتفى بمخاطبة زوجته بالطلب منها أن تستغفر، والسلام، وفي هذا إشارة إلى أن عندهم ميراثاً من أديان سبقت. لكن الأمر تسارع في القصر بطريقة أو أخرى، فالخدم والحشم ونساء القصر وربما امرأة العزيز نفسها سرّبت الخبر لحاجة في النفس.

وتداولت نساء المدينة وكبراء القوم القصة مستغربات مراودة امرأة العزيز لفتاها، فليس هو بصاحب المقام المناسب، فمن رغبت في مراودة فعليها اختيار من يناسبها لا من هو دونها، ولذلك ( إنا لنراها في ضلال مبين)، وهذه ليست جملة وعظية إنما انتقادية. ووصلت كلمات النساء إلى أذن امرأة العزيز، فرغبت في تقديم الدليل على أنها كانت محقّة فيما فعلت ولو كانت أي واحدة من النساء اللاتي تعرضن لها في مكانها لفعلت مثل ذلك أو أكثر من ذلك.

إنها الحيلة، اجتماع عام في مقرها لثلة من النساء ذوات المقامات، وأعدّت لهن جلسة فيها متّكأً وقدمت لهن فاكهة أو ما شابه، وآتت كل واحدة منهن سكيناً للاستعمال الشخصي وطلبت منه الخروج، فخطف الأبصار وشغل القلوب والعقول عن تصرف الأيدي فوقعت جروح في الأيدي وكان يوسف عليه السلام في غاية الجمال والحسن، حتى جاء في الحديث الشريف (أوتي يوسف شطر الحسن) ، وبعد أن وقعت النساء في المصيدة وشعرت امرأة العزيز بأن النسوة لسن أقل منها شغفاً بحبهن، فهذه لمحة أسالت دماء، فكيف لو تكررت ومضت ساعات الليل والنهار ونظرة تؤدي إلى حملقة، وحديث يوصل إلى مؤانسة، فالأمر حينئذ في خطورة بالغة، وهذه حجة قوية قدمتها عملياً امرأة العزيز دليلاً على صبرها الطويل سنين عديدة قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه.

وإثر هذا الانتصار من المرأة على النسوة (قالت فذلكن الذي لمتنّني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنّن وليكونا من الصاغرين). وهذا إعلان واضح أنها همت ورغبت ولا تزال مصرّة وأنها لا تستحق اللّوم على ما فعلت وربما ينبغي أن تشجّع وتغبط كما أنه تصريح على سلامة عرض يوسف وسموّ أخلاقه (فاستعصم) وهو كذلك إصرار على رغبتها في استمرار المحاولات والمراودات الصريحة، وسوى ذلك فالويل الويل والثبور الثبور، إنه السجن الذي ينتظره والذل الذي يتوعده.

ويبدو أن المرأة ظنت أن لغة التهديد ستجدي إذ لم تنجح الوسائل الهادئة السلمية، ربما خطر ببالها أنه سيتوب ويثوب إلى ما رغبت، وتنتهي المسألة فيكون صديقاً مؤنساً أو زوجاً آخر هو أضعاف الزوج الأول سناً وشكلاً وحباً متدفقاً.

وما خطر على البال من قريب أو بعيد أن العبد الصالح الذي بلغ أشده واستوت سوقه وأوتي العلم والحكمة وعمق الإيمان وميراث النبوة سيفضل السجن على الفاحشة، ألم قليل محدود له نهاية خير من لذة تعقبها ذلة لا نهاية لها.

(رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم). وتلك استغاثة بالله واستعانة به واعتراف بالضعف البشري وإذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده.

 

حل غير منطقي

( ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجنّنه حتى حين). حين يُترك المجرم ويدان البريء، حين تظهر البراءة بكل الأدلة والشهود ويعاقب الصالح في حين تطلق حرية المعتدي، تلك إذن قسمة ضيزى، وربما لم يكن الأمر عقوبة بقدر ما هو (فك ارتباط)، فقد أيقن الزوج المسكين أن وجود هذا (الفتى) في البيت مع اندفاع زوجته نحوه سيكسر الجرة، وربما تناقلت النسوة خبر إصرار امرأة العزيز على موقفها، فسمعها القاصي والداني بما في ذلك البعل، فتبين أن الأنسب إبعاده علّ نار الشهوة عندها تضعف لأن الغياب عن العين يؤدي أحيانا إلى الغياب عن الذهن، وبدا لنا أن المرأة صاحبة قرار، وأوامرها محترمة، فهي التي لوّحت مرتين بسجنه تهديداً، ولكن كلامها لم يقع على الأرض، وجميل أن نضع بعض السطور الهامة من قصة يوسف مع امرأة العزيز:

1-    لا يمكن للطفل المتبنى أن ينزل منزلة الإبن الحقيقي، ففي الوقت الذي ظن العزيز فيه أن هذا الطفل يصلح ولداً (أو نتخذه ولداً)، رغبت زوجته أن تتخذه صديقاً حميماً أو زوجاً آخر، ومن هنا ألغى الإسلام التبني تماماً، وهي رسالة للذين يتبنّون الأطفال الرضّع، أنه مهما قالت المرأة للطفل ماما وبادلها القول، فإذا شبّ فالمشاعر تتغير والألفاظ تتبدل والمواقع تنعكس، وكذا الذين يربون البنات، فإذا كبرن تحركت الشياطين وأوعزت أن هذه الفتاة الجميلة تصلح عروساً (ويا ليت) أو صديقة وفيّة قريبة المنال، وقد لامس أذني شيء على هذا النحو، فكيف نقتل الغرائز بمجرد القول هذه بنتي أو هذا ولدي، وكم من امرأة قالت لرجل تحج معه (أنت أخي في عهد الله)، وبعد العودة أصبح زوجها في شرع الله!!

2-    الغريب في المنزل جمرة تحت الرماد، وكذا شأن الخدم والخادمات، وكم اشتعلت بهم النيران- نيران الغرائز، ونيران المفاسد، وفي بعض البلاد فضحت تجارة بيع الأطفال بسبب كثرة الخادمات المستوردات.

3-    الخلوة بين الجنسين مفتاح الإنحراف (ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

4-    في العادة والفطرة الرجل هو الذي يراود المرأة فإذا استطاع الرجل كسر اعواد الشيطان هاجم بدوره المرأة فأجبرها على المبادأة كطريق آخر من طرق الفاحشة0 (وراودته).

5-    انتصار الإنسان على شيطانه ممكن ولو كان صعباً، فمهما كانت قوة الشر إلا أن قوة الإيمان وقوة العزيمة أعظم.

6-    مقابلة المعروف والإحسان بالإساءة والطعن في العرض ظلم يأباه صاحب القلب النظيف.

7-    سلوك كل الوسائل المؤدية إلى النتائج ليس بالضرورة قادرة على تحقيق المراد.(وراودته..وغلقت... وقالت هيت..) والنتيجة ....آسف.

8-    الميل القلبي لا يعد معصية (وهم بها) بل دليل بعولة ورجولة ما لم يتصاعد ويترجم إلى أفعال. وشتان ما بين عجوز لا يشتهي ولا يفعل وبين شاب متدفق الرجولة يشتهي ولا يفعل.

9-    يوسف طاهر بريء وبشهادة الله له (إنه من عبادنا المخلصين) وبشهادة المرأة نفسها (فاستعصم) وبشهادة النسوة (ما علمنا عنه من سوء)، وبشهادة شاهد من أهلها (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن) وبشهادة الشيطان (إلا عبادك منهم المخلصين).

10-المعصية تورث الذل، (وألفيا سيدها) ولم يقل (زوجها) ولو قال (سيده) لكان التعبير كذلك صحيحاً فكأنما أصبحت هي أمة ويوسف حرّاً.

11-ما أكثر المسارعين إلى اتهام الآخرين وإسقاط ما فيهم عليهم (ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً...)

12-كون الزوجة صاحبة قرار تنفيذي مطلق -مشكلة-(إلا أن السجن).

13-شخصية يوسف متزنة وقوية... لم يتلجلج ولم يرتعب، وإنما عرض الحقيقة المختصرة في أحلك الظروف.

14-حين يكون الشاهد قريباً ويحكم للغريب، فهذا دليل براءة أعظم.

15-الزوج لم يتخذ أي إجراءات عملية في حق زوجته التي يثق أنها منحرفة، أو على طريق الإنحراف واكتفى بالطلب منها أن تستغفر وهذا اجراء هادئ جداً ويبدو أن بيوت الطبقة العليا فيها نوع من الديوثة!

16-قناعة السيد بسلامة عرض يوسف: خاطبه باسمه (يوسف أعرض عن هذا، وذلك أكرم له، لكنه خاطب زوجته (واستغفري) بالإعراض!!

17-الخبر السيء يخترق الجدران ويطير إلى الآذان ويسارع إلى الألسنة ويصعب على الناس النسيان.

18-في بيوت الطبقات الحاكمة، ليس العيب عمل علاقة جنسية مع الآخرين، إنما العيب اختيار من هم دون المستوى، (امرأة العزيز تراود فتاها) أي عبدها.

19-مكر النساء عظيم

20- تبهر النساء بالشباب كما العكس، لكن التصريح بذلك يكون على نطاق محلي.

21-كلمة العيب تتلاشى مع المال والجاه، فلا بأس من اعلان الإصرار على الفاحشة، (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن).

22-اختيار السجن اختيار موفق من يوسف عليه السلام لأنه النظافة الدينية والطهارة الأخلاقية.

23-المعصية تاريخ... والطاعة تاريخ...والفرق بينهما أن المعصية تاريخ أسود والطاعة تاريخ مشرّف.

24-العمر يمضي بعجره وبجره، فهنيئاً لم سطّر صفحات بيضاء.

25-اللجوء إلى الله ضرورة لأنه مصدر العون ( والا تصرف عني كيدهن أصب إليهن)

26-الاعتراف بالضعف البشري وخاصة أمام الشهوة يمثل صدق المشاعر والوصف الحقيقي للواقع.

27-ما أسوأ أن يكون المذنب قاضياً، وحكمه ينفذ!!

28-جميل أن يبرأ البريء والعكس أليم.

29-السجن عقوبة قديمة حديثة، وهي في الغالب مقبرة الأحياء.

30-السجن الإداري من اسوأ أنواع السجن، وهو الاعتقال بلا ذنب وبلا لائحة اتهام، وربما بلائحة براءة، وهذا الذي حصل ليوسف عليه السلام.

 

حلقة جديدة من حلقات البلاء:

لا يكاد يوسف ينتهي من مصيبة إلا ويقع في أخرى، فبعد أن نجى من كيد إخوته واجه محنة امرأة العزيز، وكان ينبغي أن ينجو منها لكنه خرج إلى محنة جديدة هي محنة السجن ظلماً وزوراً.

وما أدراكم ما سجن مصر في غابر الزمان والأيام، فلا كهرباء وما يترتب عليها من اضاءة وتكييف وما إليها، ولا خدمات ولا حقوق منتظمة، وهو قبل ذلك وبعده في سجن إداري لكنه بين جنبات سجن مختلط السجين السياسي والأمني والمدني، وإذا كان السجن خليطاً مع اللصوص والمجرمين تضاعف ألمه وضاقت جدرانه، واشتد الحبل على العنق، وفي هذا الجو الكئيب يثبت يوسف جدارة ويظل هو صاحب الشخصية القوية المتزنة ذات الكفاءة العالية وهذا شأن الرجال الصامدين الصابرين الذين يستعلون على الأحداث ويقهرون الواقع ولا يقهرهم، كان قدر يوسف أن يسجن معه فتيان بتهم مختلفة، شتان ما بينها وبين قضية يوسف البيضاء النقية كالغيم في عنان السماء.

وتكثر أحلام السجناء وغالباً ما تصب في رغباتهم في النجاة والإفراج ويتفيئون ظلال الحديث ليواسوا أنفسهم ويسلّوا قلوبهم أو يقتلوا وقتهم، وليقترب موعد الإفراج.

عرض الصاحبان كلٌ رؤيته على يوسف الذي أثبت أنه مرجع لهموم من معه وملاذ لأصحابه، أثبت ذلك باستعلائه وقوة شكيمته وسعة معرفته وعمق حكمته ورشده، ( إنا نراك من المحسنين).

ويجدها يوسف فرصة سانحة للدعوة إلى الله فيوجز لهما فكرة الإيمان والخطوط العريضة للعقيدة في كلمات (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما). فهو يعزز ثقتهما به أنه قادر على تحديثهما بنوع الطعام وجودته قبل الوصول، لكن هذا ليس من نتاجي الشخصي وإنما من فضل الله (ذلكما مما علمني ربي)، (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، واتبعت ملّة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب....)0.

هكذا ينبغي أن يميز الإنسان بعقله ما حوله، ويتبين الغث من السمين ويترك ما اعتاده الناس من غثاء في العقيدة والأخلاق، ويؤمن بالآخرة التي هي كائنة لا ريب فيها رغم كفر من كفر، ليغرف من نجاسات الأرض وشهواتها ما استطاع، والكفيل بصده وتقويم مساره الإيمان بالآخرة، وهناك سلالة أنبياء، ابراهيم اسحاق يعقوب، هؤلاء هم مدرسة الإيمان التي اقتلعت جذور الشّرك.

ونكرر لولا فضل الله ورحمته، ولولا عناية الله ورعايته لما كنا على ما نحن عليه من إيمان به،(ولكن أكثر الناس لا يشكرون) والمعصية منافية للشكر، فتعالوا بنا نشكر ولا نشرك، نؤمن ولا نكفر، وبعد الطرق على نقاط هامة هي:

1-            الإيمان بالآخرة

2-            ترك الكفر ومحاربة الشرك

3-            اتباع سلالة الصالحين.

4-            الفضل لله أولاً وأخرا

5-            الأغلب من الناس لا يؤمن ولا يشكر، لأن الشكر مسؤولية والكفر تسيب، والثاني أمتع وأقل تكاليفاً لذلك ينضوي تحته الأكثرون.

بعد هذا الإيجاز المفيد، عاد يطرق على الوحدانية (أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار)، بأسلوب لطيف ومودة بالغة (يا صاحبي السجن)، وأخذ يفند التعبد لغير الله، فإن هي إلا أسماء مخترعة لا قيمة لها ولا جدوى منها.(ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون). وبعد هذا الاستغلال الموفق والطرح المفيد أوّل لهما ما رأيا، (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).

وبحكمته وفصاحته لم يحدد لهما أيهما سينجو ويعمل ساقياً في قصر الملك ومن هو الذي سيحكم عليه بالإعدام ،،،، حتى لا ينهار أحدهما، وليبق كل منهما على أمل أن يكون هو صاحب الحظ بالنجاة، واغتنم يوسف فرصة نجاة أحدهما قائلاً له قبيل نجاته: (اذكرني عند ربك)0 وقد صدق تأويل يوسف بإعدام أحد صاحبيه  ونجاة الآخر لكن الذي أفرج عنه كعادة كثيرين ينسى ما كان في السجن ويشتغل بما عاشه من جديد وتخطف الدنيا أبصاره وتلغي بعض ذاكرته القديمة، وما أحاديث ووعود السجون إلا فقاعات سرعان ما تتلاشى.

( فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين)، بضع سنين ما بين الثلاث والتسع ، وقيل أنها سبع حتى حان الموعد.

 

الملك يرى البقرات والسنبلات:

وهذه الرؤيا الرابعة في السورة: ( وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون) وفي الوقت الذي يعتذر الملأ، ( قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)، يتذكر السجين الذي أطلق سراحه أحد صاحبي السجن، بأن مفسّر الرؤى على الحقيقة والصواب يوسف ثم يتذكر وصيته له بذكر اسمه وموضوعه عند الملك، ولكن ... بعد بضع سنوات من المعاناة.

وإن هي إلاّ أوجز فترة حتى يصل السجن بعد الأذن والطلب، فيعرض الرؤيا كما هي –رؤيا الملك- ولا نعلم ماذا دار بينهما من حوار أو عتاب أو سؤال أو جواب، ولكن صلب موضوع اللقاء رؤيا الملك.

 

المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة:

ولا يخطر ببال يوسف أن ينتقم من الحاكم والمحكومين والنظام الظالم والعزيز الجائر فيعتذر عن تأويل الرؤيا والذي يتعلق به نجاة بلد أو بلاد، فيسارع إلى التأويل لأن كبير القوم لا يحمل الحقد، ويكون التأويل:

 

(تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبلة إلا قليلاً مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون).

حين تكون المسألة هامة وخطيرة تطغى على المصلحة الشخصية، وفي هذه المرة لا يطلب من صاحبه أن يذكره عند الملك فما يقدم المشورة والنصيحة مقابل مصلحة شخصية ذاتية، وملحوظ أن يوسف لم يكتف بتفسير الرؤيا، وإنما قدّم النصيحة وهي ضرورة الادخار والحفظ، وإلا فستأتي المجاعة على الأخضر واليابس، وحين يعود الساقي إلى الملك ويخبره يسارع الملك بتكليفه أن يعود مع من يعنيه الأمر ويطلق سراح يوسف ويحضره إليه ليتعرف على هذه الشخصية المعنية بشؤون البلد ومصلحة الناس ونظام الحكم أيضاً مع أنه سجين إداري أي بلا ذنب إلا امتناعه عن تدنيس أعراض الآخرين!.

 

إعلان البراءة أولى من الحرية:

وسرعان ما عاد الرسول إلى يوسف لكن يوسف رفض الخروج على غير رغبة الملك، وتوقع السامعين، لأن ما يبدو لنا أن حريته طلب فطري بل ورجاء، فكيف يرفض؟ ولماذا؟

هو يريد إظهار براءته وإعلان شرفه الناصع من كل من يعنيهم الأمر: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم).فما قيمة الحرية الملطخة،؟ وما قيمة الحياة المخدوشة؟ وهل سيعيّر بسجنه من أحد؟ ومن سيقتنع منه أنه سجن بضع سنين بلا جريمة؟

 

 

 

رغبة يوسف أوامر:

ويا سبحان الله حين يكرم عبداً، هذا سجين لا بل عبد سجين (فتى) اشتراه صاحبه بماله، ثم أودعه السجن بأمره، وهو يشترط على الملك للموافقة على الخروج من السجن أن يجري تحقيق في قضيته التي أكل الدهر عليها وشرب، ونعجب أن الملك استقبل رغبة يوسف بالتنفيذ وسارع لإحضار النسوة بما فيهن امرأة العزيز وسألهن عما حدث، وفتح الملف، وكان لا بد للحقيقة من الظهور بأجلى صورهاّ.

(قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء، قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين).

ويحتمل التعقيب التالي لامرأة العزيز وكذلك ليوسف، (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم).

فعلى احتمال أنها امرأة العزيز، فهي تقصد لم أخنه (أي يوسف) وعلى احتمال التعقيب ليوسف يقصد لم أخنه (أي العزيز في زوجته) فما ينبغي أن يكرمني وأخونه في عرضه.

 

نقاط هامة في حلقة السجن:

1-            جيد أن يستوعب الإنسان المصيبة ويتفاعل معها

2-            خير المسجونين الإنسان العملي المحسن النافع لمن حوله المسلّي لهم.

3-            الأحلام والرؤى من أهم ما يعوّل عليه المسجونون إيجاباً أو سلباً، فكم تفرح وكم تقلق وتحزن وتهم؟

4-            الأحلام لها تأويل في الغالب، ولو كان أصحابها غير صالحين.

5-            وجود مرجع صالح للمسجونين رحمة ونعمة.

6-            الداعية يغتنم كل الفرص المتاحة لدعوته.

7-            يحسن أن يختار الداعية الأهم فالمهم من الموضوعات

8-            من أهم الموضوعات الدعوية، الآخرة، عدم الشرك والكفر، التوحيد، تفنيد بطلان المعبودات الاختراعية.

9-            الاعتماد على الله والتوكل عليه.

10-        من السهل أن ينسى المسجون ما كان، حين ينخرط في سلك الحياة.

11-        بعض السجون تضم بين جنباتها أبرياء، وإلى سنين طويلة.

12-        الملوك والحكام كذلك تهمهم أحلامهم ويرغبون في تأويلها.

13-        من قال لا أعلم فقد أفتى. (وما نحن بتأويل الأحلام لعالمين).

14-        وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

15-        العتاب لا يقدم وربما يؤخر وإغفال الإساءة خير من إحيائها.

16-        النصيحة للصالح والطالح للظالم وللرعية معاً.

17-        المصلحة العامة أولى من الخاصة.

18-        الشرف والكرامة في السجن خير من الحرية التي فيها ما فيها.

19-        الله تعالى يسخر الحاكم لخدمة الضعيف أحياناً.

20-        الحقيقة تظهر ولو بعد حين، (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا).

21-        الاعتراف بالذنب خير من التمادي في الباطل.

22-        النفس العادية معرّضة لحبائل الشيطان، (أمّارة بالسوء) إلا ما رحم ربي.

 

العنصر الثالث: يوسف على خزائن الأرض

 

حين أرسل الملك الساقي وبعض الشرطة إلى السجن قال لهم (ائتوني به) وحين رفض الخروج إلا بعد التحقيق مع النسوة اللاتي اعترفن بسوئهن ورفعن راية يوسف البيضاء وقرر الملك مرة أخرى أن يأتي به، قال (ائتوني به استخلصه لنفسي) وفي الجملة الثانية زيادة ملحوظة، (أستخلصه لنفسي) والاستخلاص هو الاصطفاء والاختصاص.

فجيء بيوسف معززاً مكرماً موفداً على الملك الذي استقبله في قصره وحاوره وحدثه، فأعجب به أيّما إعجاب حتى أعطاه الفرصة أن يطلب ما يشاء فكان الطلب (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم). ذلك بعدما أعطاه الملك وسام شرف (إنك اليوم لدينا مكين أمين) ونلاحظ التأكيد (لدينا) (مكين) (أمين)، كلها كلمات لها ظلال وما من وسام شرف أعظم وأرفع.

إذن يوسف طلب خزائن الأرض ووصف نفسه بصفتين هما المؤهلان للعمل على الخزائن (حفيظ عليم)، وبقليل من التفكر نرى أن هاتين الصفتين أهم ما يكون في المسؤول وخاصة الاقتصادي والذي بيده مصالح الناس وفي قبضته أرزاقهم.

الحفظ، الأمانة والنزاهة، شمعة عمر بن عبد العزيز والعلم، حسن الإدارة وحكمة التصرف ووضع الشيء في محله، ولم يتوان الملك في تأخير الموافقة، فوجدنا يوسف على الفور يمارس وزارة المالية والزراعة والاقتصاد والتجارة والصناعة والتموين، وإن شئتم فهو كل شيء. ولذلك لا ذكر للملك ولا للعزيز بعد الآن في السورة فكأنما أصبح يوسف عليه السلام هو كل شيء، وهذا هو التمكين في الأرض.

(وكذلك مكنّا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء، ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتّقون). فالتمكين لا يكون إلا بعد الصبر والابتلاء والسبيل إلى ذلك الإيمان والتقوى والأجر عند الله أعظم من التمكين.

 

برقية

أرأيتم لو وافق يوسف امرأة العزيز على مشروعها الشيطاني، لظل عبداً خادماً، ومات على ذلك وحرم النبوة، وو..الخ، لكن تقواه وصبره رفع شأنه ومكنه في الأرض وجعله ليس مستشاراً للملك، وإنما يكاد يكون هو الملك بعينه، وإذا به الآمر الناهي، وشتان ما بين ثمرات المعصية وثمرات الطاعة، طبعاً (لو) هنا لا معنى لها لأن ذلك أي المعصية لم تحدث!!.

 

المجاعة عمت البلاد

مضت السنين السبع الأول المليئة بالخير (السّمان) ثم جاءت السبع العجاف، فشاع الفقر وهلك الزرع وجف الضرع، والتوت البطون وأخذ الناس يبحثون عما يقيتهم، ولما كانت الأيدي الأمينة في مصر هي التي بيدها مال العامة، وكان هناك ترشيد استهلاكي، ظل الخير في البلاد، يوزع بقدر وشاع خبر العطاء المصري، والبقرة الحلوب هناك، فشدّ الناس الرحال من سائر البلاد، وهؤلاء اخوة يوسف يحضرون من بلاد الشام طلباً للعطاء ورغبة في شراء القمح للإنفاق على آلهم وذويهم.

وحين وصل إخوانه إليه عرفهم، أما هم فكان من شبه المستحيل أن يعرفوه، فأنى ليوسف الطفل الملقى في الجب أن يصل هذا الموصل وينال هذه المرتبة؟ ويتبوأ هذا المركز؟ أنّي ذلك؟ بالإضافة إلى أنه كان صغيراً وكبر والملامح تتغير. (وجاء اخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون)

 

حيلة شرعية

يجوز للإنسان أن يحتال ليصل إلى حقه، وهذا يوسف بعد سنين طويلة من البلاء والحرمان يرسم خطة لإحضار أبيه وأهله إليه، أما هو فيصعب عليه ترك خزائن الأرض المؤتمن عليها في هذا الظرف العصيب وهو (الحفيظ العليم)، فإن عدم الإبصار الدائم، وترك مواقع المسؤولة وقلة المراقبة أو عدمها، كل ذلك مناف لصفة الحفظ، فالأولى إذن أن لا يسارع إلى تلبية عواطفه وهو التواق لرؤية أبيه وأخيه، فليصبر قليلاً، وسيأتون هم دون أن يذهب هو، وهذا الذي قد كان.

عرف بسؤالهم عن أحوالهم أن أخاه الصغير لا يزال حياً، وكذلك أبوه، فطلب منهم أن يحضروا أخاهم الذي هو شقيقه واعتبر ذلك شرطاً لتزويدهم بالمئونة وإلا فلا. ومن أجل التأكد من عودتهم السريعة وضع بشكل سرّي البضاعة التي أحضروها في رحالهم ليطمئنوا إلى كرمه وصدقه، وكي لا يمتنعوا عن الحضور بسبب إفلاسهم وعدم وجود بضاعة أخرى في المستقبل، فإذا وجد الثمن سيسارعون للارتزاق والبحث عن الطعام في أسرع وقت ممكن.

ونجحت الخطة واقتنع الأخوة وذهبوا يدافعون أمام أبيهم عن ضرورة اصطحاب أخيهم الصغير معهم، وأن هذا هو السبيل الوحيد لإحضار الطعام وبدونه سيمنعون الكيل، لكن أباهم تخوف لأن الملدوغ يخشى من "جرة الحبل"، (قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين)، لكن وجود بضاعتهم التي قدّموها ثمناً في المرة الأولى من زيارة مصر، وجودها بين المتاع كان دليلاً آخر على ضرورة الاستجابة لإحضار الأخ الصغير، ووعدوا هذه المرة بحفظ أخيهم، (…ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير). لكنّ الأب المجرّب والذي في قلبه مخزون من الآلام على ذكر قصة يوسف وممارسات أولاده أجبر هذه المرة أن يأخذ المواثيق على أبنائه أن لا يفرّطوا هذه المرة بأخيهم وألا يكيدوا به.

ولعل الوحي هو الذي يقنع الأب (النبي الشيخ) بالموافقة بداية أن يسلمهم يوسف، وثانياً ولده الصغير لمفاجآت سارة يعرف خطها العريض- من الوحي- ولا يعرف التفاصيل!

 

نصيحة لا بد منها وخطة محكمة:

(وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة…)، الأب ينصح الأبناء بالدخول متفرقين هل خوفاً عليهم من الحسد؟ أم لسبب أعمق ونظرة أبعد لعلها أن ينفرد يوسف بأخيه دون وجود مصاحب له من اخوته، حتى تتم الخطة بنجاح؟ أم ربما تفرقهم يعزز احتمال تعرف أخيهم عليهم (يوسف) لأنه لا يوقن أن يوسف قد لقيهم حتى الآن!  وفعلاً تم التنفيذ، وحان وقت اللقاء، وانفرد يوسف بأخيه وضمه إليه وطمأنه وكان مضطراً للقيام بمسرحية لاستبقاء أخيه، والسبيل لذلك وضع السقاية وهي أداة الكيل (الصواع) وضعها في رحل أخيه ليبرر احتجازه أو عقوبته على الظاهر. وأمر يوسف بالإعلان مناداة على أن صواع الملك قد سرق (ولمن جاء به حمل بعير)، واستغرب الأعراب أن يقوموا بهذا العمل رغم حاجتهم الماسة للاسترزاق دون مشاكل، (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين). وهم أنفسهم حكموا بقساوة على من سرق أو وجد الصواع في رحله، حكموا عليه بعقوبة (الاحتجاز) (السجن) لأنهم موقنون أن السارق ليس منهم، وهكذا تمت الخطة بنجاح.

وحتى لا يساورهم أدنى شك بدأ بالتفتيش بأوعيتهم وختم بوعاء أخيهم الصغير، فوجد السقاية (الصواع) في رحل أخيه ولتطبيق ما قالوا احتجز أخاهم، وذلك فضل الله أن الحكم صدر منهم، لأن القانون المصري العقوبة بغير الاحتجاز للسارق! وأصر الأخوة على التطاول على الصغير والكبير. (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل….)، فتألم يوسف وأسرّ عليهم رداً أنهم هم الأسوأ.(قال أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون)، ولم يجد اخوة يوسف بداً من الرجاء والتوسل أن يستبدل أخاهم بأحدهم واستعطفوه بوجود أب كبير السن، لكن يوسف رفض بإصرار لأنه لا يوافق على الظلم باستبدال الجاني.

وتحرّكت العاطفة في نفس أحدهم وهو الكبير الذي تذكر مأساة أبيه حين فرطوا في يوسف ورفض مصاحبتهم لأنه لا يطيق رؤية أبيه ببلاء جديد وطلب منهم العودة وإبلاغ الوالد بما حدث وتقديم الأدلة والشهود بصدق الرواية لأن أباهم سوف يتذكر الدليل القديم قميص يوسف ويرفض التصديق.

 

شدة المصيبة قد تفقد البصر

وحين رجع الأبناء يحملون الخبر السيئ المؤلم وعرضوه على أبيهم تفتحت المواجع واستذكر الماضي والجرح الجديد يذكّر بالجرح القديم، ( وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم). وللتخفيف عنه حاول الأبناء تلطيف الجو بلا جدوى، وكان لا بد من اللجوء إلى الله عز وجل خير معين. (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله واعلم من الله مالا تعلمون) .

 

اليأس ليس من صفات المؤمنين

ورغم الكابوس الجديد يدعو يعقوب أولاده أن يعودوا ويبحثوا عن يوسف وعن أخيه، (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) وجاء الأخوة راجعين متذللين يخفضون الجناح، ويبحثون عن الصدقة ليس في الطعام فقط وإنما في إطلاق سراح أخيهم كذلك.

 

 

المصارحة

وحان موعد المصارحة وطرح الأوراق، ولا بد من ذلك ولو بعد حين، (قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون). ولما كان فعلهم سراً بينهم وحدهم، فما الذي يوصل النبأ إلى هذا (العزيز)؟ وبما أن يوسف لم يأكله الذئب ولم يبق في الجب فالنتيجة أن السيارة قد التقطته، وبشيء من التدقيق في ملامحه بالإضافة على الخبر الذي فاجأهم به فقد حصل ترجيح أنه هو هو.

"قالوا أءنك لأنت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

عنصران هما الأهم في بلوغ الغايات، التقوى والصبر، وشعر الأخوة مجدداً بذنبهم وكان لا بد من الاعتذار وطلب الصفح، وقد كان، فكبير القوم لا يحمل الأحقاد، وتفويض الأمر إلى الله خير من تحصيل الحق وإنزال العقوبة، ( قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).

 

ويأتي دور القميص من جديد

(اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً وأتوني بأهلكم أجمعين)، إنها معجزة الأنبياء ،هو يعلم بوحي من الله أن القميص سيرد بصر أبيه إليه، ووصلت القافلة تحمل القميص، فاستشعر الأب أن هناك خبراً عن يوسف وهو الذي لم ينْس حتى الآن رؤيا يوسف وضرورة سجود الكواكب الأحد عشرة ليوسف، وقد آن الأوان فما بقي في العمر من بقية.

وللمرة السبعين، لا يخرج الأولاد عن أخلاقهم ..هم ..هم فما غيرتهم الأيام: (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) وألقي القميص على وجه الشيخ الكبير فعاد بصره واستبشر خيراً وذكّرهم بنعمة الله عليه (ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون).

وكان لا بد من إعلان الاعتراف بالذنب وطلب المغفرة من أبيهم بعد سنين طوال من المعاناة جرّاء سوء تصرفاتهم، (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) (قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم).

فما طاب قلبه عليهم، وما عنده قدرة أن يغفر أو يستغفر أو يغسل أدران سنين في لحظة (قال سوف) .. هو وعد وليس استغفار

 

تأويل الرؤيا:

قد يحصل تأويل الرؤيا بعد سنين تتجاوز العشرة أو العشرين، يوسف يكرم أهله ويستقبل أبويه ويرفعهما على العرش ويسجد الأخوة سجود الاكرام والتعظيم والاحترام (للعزيز). وحينئذ يتذكر يوسف رؤياه التي قصها على أبيه وهو غلام!. ويطوي يوسف كل أنواع البلاء ويتأدب مع الله فلا يذكر إلا الحسنات، (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو).

ويرفق بأخوته فينسب ما حدث للشيطان (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي..) هذا القلب المليء بالإيمان، المتعالي على الأضغان.

 

دعاء الختام

وتختم قصة يوسف بدعاء رقيق جميل هو درس أو دروس للمتفكرين والمتذكرين:

(رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين).

فهذا يوسف يستعرض نعم الله عليه ولا يذكر مصيبة واحدة مما لحق به، وليس له رجاء ولا طمع إلا في رحمة الله إنه يطلب الوفاة على الصلاح والتوحيد والإسلام وأن يحشر مع عباد الله الصالحين، وأي طلب أعظم من هذا الطلب وأي رجاء أرفع من هذا الرجاء!!

بين رغبات البشر وحكمة القدر

كنا نود لو أن أخوة يوسف ما حسدوه، ولو أنهم ما تآمروا عليه، ولو أنهم ما فكروا بقتله ولا إلقائه في الجب، لو أنهم رحموه حين ألقوه في الجب فأخرجوه أو عاد أحدهم فأنقذه، ولو أن أحدهم رحم إياه فأخبره بالحقيقة لما رأى دموعه فأنقذ الغلام، ولو أن بعض الرعاة من غير اخوته هم الذين عثروا على يوسف فأعادوه لبيته، ولن أن السيارة اقتنعوا برواية يوسف فرحموه وأعادوه لأبيه بثمن أو أطلقوا سراحه رحمة ومجاناً، ولو أن يوسف عاش في بيت العزيز الدهر دون مراودة المرأة، ولو أن المرأة لم تظلم يوسف ولم تحكم عليه بالسجن، ولو أن العدالة أخذت مجراها فسجنت المرأة وأطلق سراح الفتى، ولو أن صاحب السجن الذي نجى لم ينس أن يحدث سيده بقصة يوسف، إذن يطلق سراحه على الفور، ولو أن يوسف خرج أول مرة حين قال الملك (ائتوني به) ....الخ

كنا نود ذلك كله وغير ذلك رحمة بيوسف وأبي يوسف وتحقيقاً للعدالة وإقصاءً للظلم. لكن يد القدر نسجت الأحداث جميعاً على غير رغبة البشر، ولو أن حلقة من الحلقات المذكورة فقدت وبعبارة لو أن أي رغبة من رغباتنا تحققت لما وصلنا إلى النهاية السعيدة. إن بلاء الفرد أو الأفراد لتحقيق مصلحة الأمة والمجتمع أجدى.

كانت الأحداث عبارة عن لبنات - لبنة لبنة كلها أقامت بناءً – لو سقطت منه طوبة لانهدم البناء، فمن يؤول الرؤيا للملك لو لم يكن يوسف أوّل الرؤيا لصاحبي السجن وخرج أحدهما؟ ومن يعرف يوسف ويوصله بالملك لولا صاحبه، ولولا ظلم المرأة له، ولولا ولولا ولولا؟!

من ينقذ مصر وأكناف مصر، ومن ينقذ أخوة يوسف وأباهم والأعراب بجوارهم، لولا عدل يوسف، وأنى ليوسف أن يصل إلى هذا المقام لولا كل ما حدث؟!

لو جاءت المجاعة سبع سنين دأباً دون وجود الحفيظ العليم على خزائن الأرض لهلك العباد ولعمت المجاعة ديار الشام فضلاً عن مصر ومن حولها، ولكانت الخسائر بمثابة إبادة لن توفر يوسف نفسه ولا أباه ولا أخوته.

أرأينا إلى قدر الله ما أحكمه، سبحان الله، هل نستطيع أن نرتب على هذا قاعدة قرآنية بلفظ آخر، (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

وختاماً: أكرر الاعتذار بسبب مزيد من الاختصار، فسورة يوسف وقصة يوسف لا يصلح الحديث عنها في محاضرة، لأن ذلك يستدعي إغفال كثير من الكنوز، وفي ذلك خسارة ولا ريب

 

والله الهادي إلى سواء السبيل

 

 



§§ مدرس في كلية الدعوة وأصول الدين-  جامعة القدس


PASSIA
The Palestinian Academic Society for the Study of International Affairs, Jerusalem

Tel: +972-2-6264426 / 6286566 • Fax: +972-2-6282819
P.O.  Box 19545,  Jerusalem
Email: passia@palnet.com
Copyright © PASSIA