|
«قطار السلام» الإسرائيلي الذي سينسف السلام
ينشغل الفلسطينيون، وينشغل العالم، بالاتفاقات التي يجريها الرئيس الفلسطيني
محمود عباس مع الفصائل الفدائية، وصولا إلى «التهدئة» الأمنية. و«التهدئة» هو
الاصطلاح الجديد بدلا من اصطلاح «الهدنة» السابق.
وينشغل الفلسطينيون، وينشغل العالم، بالإجراءات الأمنية التي يتخذها الرئيس
الفلسطيني محمود عباس، وبخاصة تلك المتعلقة بنشر قوات أمن فلسطينية في مناطق
التماس مع إسرائيل، أو تلك المتعلقة بمنع حمل الأسلحة لغير المخولين بذلك رسميا.
ويحظى محمود عباس بسبب ذلك برعاية فلسطينية، وبمديح أميركي وإسرائيلي، حتى أن
إسرائيل اكتشفت فيه رجل قرار، يملك خطة متكاملة، ويعمل على تنفيذها بجرأة.
وتحاول إسرائيل في هذه الأيام، أن تظهر بمظهر المتجاوب مع إجراءات محمود عباس،
فتقول، دائما بتصريحات فقط، أي بشكل غير رسمي، إنها ستوقف الاغتيالات، وستخفف
إجراءات التنقل، وسترد على «التهدئة» بتهدئة مماثلة، وقد تفرج حتى عن بعض
الأسرى.
ولكن إسرائيل تقوم بالمقابل بإجراءات تنسف كل هذه الايجابيات الأولية، تخفف
القتل وتحكم السيطرة على الأرض والمصير كله، وتضع بالنتيجة، كل خطة الرئيس
محمود عباس أمام طريق مسدود سلفا. إنها تطلق شعارا براقا تسميه (قطار السلام)،
بينما هي تسعى للسيطرة على الاقتصاد الفلسطيني وربطه بها ربطا كاملا، ومنع قيام
تواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقوم في الوقت نفسه بما هو أخطر بشأن
القدس، وسكان القدس، وأملاك القدس.
«قطار السلام»، الذي سيؤدي إلى تدمير السلام، هو فكرة مطروحة الآن للبحث
والتنفيذ داخل القيادة السياسية الإسرائيلية، وسيكون تنفيذها من اختصاص شمعون
بيريس مساعد رئيس الوزراء، وتسعى الفكرة بايجاز إلى بناء خط سكة حديد ينطلق من
غزة إلى طولكرم، إنما عبر ميناء أسدود (عسقلان). ويسمح القطار بنقل البضائع
الفلسطينية من الضفة ومن غزة إلى ميناء أسدود، ويكون وسيلة لتنقل الناس من
الضفة إلى غزة وبالعكس، إنما عبر ميناء أسدود. وستتولى إسرائيل تحمل نصف نفقات
إنشاء هذا القطار، وستطلب من البنك الدولي تحمل النصف الآخر من النفقات.
وقد كتبت صحيفة معاريف (25/1/2005) حول الهدف من هذا المشروع، فقالت «إذا ما
طبقت الفكرة فإنها ستلغي الحاجة إلى (الممر الآمن) بين الضفة وقطاع غزة»، أي
ينسف هذا المشروع إذا تم، فكرة الربط والتواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة،
كوسيلة من وسائل إنشاء دولة فلسطينية مستقلة حسب ما هو وارد في اتفاقات اوسلو،
ويجعل الربط بين المنطقتين مسألة إسرائيلية.
ويفرض هذا المشروع إذا تم، ربطا قسريا للاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي،
ويمنع قيام اقتصاد فلسطيني مستقل، ويصبح ميناء أسدود الإسرائيلي هو النافذة
الفلسطينية الوحيدة للاستيراد أو للتصدير، ويوضح ذلك سبب الإصرار الإسرائيلي
على منع بناء ميناء فلسطيني مستقل، أو مطار فلسطيني مستقل، في قطاع غزة بعد
تنفيذ خطة شارون بفك الارتباط من طرف واحد.
أما بالنسبة إلى القدس، فقد قامت إسرائيل مؤخرا بخطوتين جديدتين لاستكمال
مخططها بعزل القدس، وقطع الصلة بينها وبين الضفة الغربية. الخطوة الأولى تمثلت
في منع الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية، من العبور الحر إلى رام الله وسواها
من المدن الفلسطينية، وإجبارهم على نيل إذن مسبق (قد يعطى وقد لا يعطى) إذا
كانوا يرغبون بذلك. وتمثلت الخطوة الثانية في إمكان مصادرة أملاك الفلسطينيين
الواقعة في القدس الشرقية، إذا ما كانوا يسكنون في مدينة رام الله أو سواها.
وستطبق إسرائيل على هذه الأملاك (قانون أملاك الغائبين)، الذي سنته إسرائيل عام
1948، للاستيلاء على أملاك اللاجئين الذين غادروا بسبب الحرب ومنعوا من العودة
إلى بلدهم.
نبدأ بالقرار الأول، قرار منع العبور، إذ أن هذا القرار له تاريخ متدرج يعود
إلى خمسة عشر عاما خلت، فحتى شهر كانون الثاني/يناير 1991 كانت إسرائيل تسمح
لكل سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، بالتنقل داخل مناطقهم، وبالتنقل داخل
إسرائيل بحرية، وقد حدث في ذلك الشهر أول حظر على حرية التحرك، وفرض على
الفلسطينيين حمل رخصة تنقل، وقيل آنذاك إن هذا الإجراء هو إجراء مؤقت، بسبب
حالة الطوارئ التي أعلنت مع اندلاع حرب الخليج الثانية (احتلال العراق للكويت)،
ولكن هذا الإجراء المؤقت تحول بعد ذلك إلى سياسة دائمة، ففي شهر آذار/مارس
1993، بدأت إسرائيل تفرض حظر دخول الفلسطينيين إلى أراضيها، وشمل ذلك لأول مرة
حظر دخولهم إلى القدس الشرقية، من دون أن يمس ذلك بحرية الحركة للفلسطينيين من
سكان القدس الشرقية. ولكن إسرائيل ما لبثت أن انتقلت إلى سياسة الضغط على أهالي
القدس أنفسهم، وبدأ ذلك بعد تطبيق اتفاقات اوسلو عام 1994، وذلك من خلال التشدد
في تطبيق مسألتين:
الأولى: مسألة الأزواج المختلطين في القدس (أحد الزوجين من الضفة والثاني من
القدس)، إذ بدأت تتشدد في السماح لهم بالعيش في القدس، وتطلب منهم الذهاب للعيش
في المناطق التي جاءوا منها، أو لا تعتبرهم من أهالي القدس وتسحب بطاقات الهوية
المقدسية منهم.
والثانية: هي مسألة ربط الهوية المقدسية بمكان السكن، إذ بسبب الأزمة السكنية
الحادة في القدس الشرقية، والناشئة أساسا من المنع الإسرائيلي شبه الكلي لمنح
الفلسطينيين رخص بناء جديدة، فإن الكثيرين من سكان القدس بدأوا يبحثون عن سكن
في المناطق المحيطة بهم، مثل منطقة الرام. وهنا بادرت إسرائيل عام 1996 (حكومة
حزب العمل) إلى التهديد بسحب الهوية المقدسية من كل مقدسي يسكن خارج القدس. وها
هي إسرائيل تستعد الآن لإعلان خطوة جديدة مرتبطة ببناء الجدار الفاصل، فقبل
أيام أعلن العقيد (ميكي أدلشتاين) أنه في شهر تموز/يوليو 2005 سيمنع الدخول
الحر للفلسطينيين من شرق القدس إلى رام الله، وأن من يرغب بذلك سيكون عليه
الحصول على رخصة عبور، ولهذا التاريخ لبدء التنفيذ مظهران اساسيان:
المظهر الأول: أن شهر تموز المذكور هو موعد الانتهاء من بناء الجدار الفاصل حول
القدس، والذي سيعزل القدس نهائيا عن الضفة الغربية.
والمظهر الثاني: أن أهالي القدس يرتبطون مع مدينة رام الله بالذات بصلات عمل
يومية، إذ يعمل المئات من سكان القدس الشرقية في دوائر السلطة الفلسطينية (التعليم
ــ الإدارة ــ الأمن). كما تشكل رام الله مركز الحياة الاجتماعية لأهالي مدينة
القدس. وسينتج عن ذلك أيضا، أن نقطة العبور بين القدس ورام الله (معبر قلنديا)
سيتحول بعد الانتهاء من بناء الجدار الفاصل إلى نقطة الحدود بين الضفة والقدس،
كتعبير عملي عن ضم القدس إلى إسرائيل. وحين يترافق ذلك مع صعوبات إسرائيلية في
منح رخص العبور للفلسطينيين، فإن الأمر سيتحول إلى عملية فرض اختيار بين ترك
الإقامة في القدس أو مواجهة البطالة والجوع.
وإذا كان من الواضح أن الهدف من هذه الإجراءات هو طرد المقدسيين خارج مدينتهم،
فإن هذه السياسة تحتاج إلى استكمال يتعلق بالممتلكات، وهذا ما بادرت إليه
إسرائيل أيضا لإكمال الطوق حول القدس سكانا وممتلكات، فلجأت إلى (قانون أملاك
الغائبين) الصادر عام 1948، وأعلنت أنه سيطبق على فلسطينيي القدس الشرقية
الغائبين عنها على بعد مئات الأمتار. وهكذا فإن كل فلسطيني مقدسي يسكن في رام
الله أو في بيت لحم مثلا، سيفقد منزله أو أية ملكية أخرى له في القدس، وستوضع
هذه الملكية تحت إمرة (القيم على أموال الغائبين). وهذا ليس إلا شكلا من أشكال
المصادرة ووضع اليد. وحول هذا الموضوع كتب الصحافي الإسرائيلي (دان مرغليت)
قائلا إن هذا القرار «سيتحطم في محكمة العدل العليا في القدس، أو في المحكمة
الدولية في لاهاي ....... ونوصي الحكومة بمحوه قبل أن يصبح فضيحة دولية».
أين تلتقي إجراءات محمود عباس مع إجراءات حكومة شارون؟
من المؤكد أنه لا توجد بينهما نقطة لقاء واحدة، ومع ذلك فإن الكل يرى ويقيم
إجراءات محمود عباس، بينما يصاب الجميع بالعمى حين يتطلعون نحو ما تفعله حكومة
شارون.
|