PASSIA-Religious Studies Unit
  Meetings & Workshops


Home > Religious Studies Unit > Activities> 2004

 


د. محمد عابدين

التعليم الشرعي في مدارس القدس ومعاهدها


د. محمد عبد القادر عابدين
أستاذ مشارك – الإدارة التربوية / جامعة القدس

 

  29 أيلول (سبتمبر) 2004


Download as Word Document

 

 

التعليم الشرعي في مدارس القدس ومعاهدها

 

مقدمه

مدينة القدس مدينةٌ مقدسةٌ وعظيمةٌ ومباركةٌ، لها مكانةٌ علميةٌ مميزةٌ، وأهميةٌ دينيةٌ وحضاريةٌ في الحقب والأزمنة المتعاقبة. وقد أولى المسلمون المدينة أهميةً مميزةً لأنها جزءٌ من عقيدتهم، حيث إلى مسجدها الأقصى المبارك أسري بالرسول محمد r ومنه عُرج به إلى السماء. وقد شدّ العلماء الرحال إلى المدينة المقدسة، فأقاموا فيها، وعمّروا مسجدها الأقصى، وأنشأوا فيها المدارس والمعاهد ودور العلم. ويشهد تاريخ المدينة المقدسة وتراثها وآثارها أن القدس كانت موضع اهتمام المسلمين، وأنها لا بدّ أن تبقى مهجة العيون لكل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

يمكن تلخيص مكانة القدس عند المسلمين بأن فيها المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، الذي تُشد إليها الرحال.   قال U: "سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَهُ هُوَ السَمِيعِ البَصِيْرُ"[1]، وروى البخاريّ في صحيحه عن أبي هريرة t ومسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدريّ عن رسول الله r أنه قال: "لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"[2].

وأطلق المسلمون على المدينة اسم بيت المقدس، واعتبروها مدينة الرباط وموئل العلم. وعدّها الإسلام جنة الله وقدسه وصفوته من بلاده. ورد في الحديث القدسيّ عن مكحولٍ بن كعب قال: فال الله U! لبيت المقدس: "أنت جنّتي، وقدسي، وصفوتي من بلادي، من سكنك فبرحمةٍ مني، ومن خرج منك فبسخطٍ مني عليه".[3]

وقد حرص المسلمون، أفرادهم وعلماؤهم وأمراؤهم على ترجمة المكانة المميزة لبيت المقدس إلى واقعٍ عمليّ، فتداعوا إلى المرابطة في المدينة المقدسة، والوفاة والدفن فيها، وإلى إقامة دور العلم في أطرافها ومساجدها.  فقد أحصى العسليّ سبعين مدرسةً أنشئت في بيت المقدس منذ بداية الفتح العمريّ لها وحتى أواخر القرن الثاني عشر الهجريّ، عدا عن عشرات الرٍبَط والخوانق والزوايا ومساجد النساء ودور الكتب.[4]

لقد تعرضت المدينة المقدسة خلال تاريخها الطويل إلى كثير من المحن والبلايا، وغزاها الغرباء، ونكّلوا بأهلها وعاثوا فيها فساداً، وخرّبوا دور العلم والعبادة. ومع بدايات القرن الماضي وقعت المدينة فريسةً لمكائد بطانات السوء في الدولة العثمانية، ثمّ أسيرةً للظلم والعدوان وسياسة التجهيل التعسفية التي حمل وزرها البريطانيون عبر احتلالهم المسمّى "الانتداب" ، ووعدهم البغيض المعروف بـ "بلفور".  وإن ما تتعرض له المدينة في حاضرها المعاصر من استهداف للأرض، والإنسان، والحضارة، والتاريخ، والدين، والمقدّسات دليل على عِظَم الوزر البريطاني الذي استقزم أمام الخطيئة العربية المتمثلة باللامبلاة والقعود مع الخالقين، وأمام سلسلة الكبائر الأمريكية المتمثلة بزرع الفتن والأحقاد، وسلب الأمن والحب والسلام من أرض السلام.

ولعبت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد إبان نكبة عام 1948م دوراً في عزوف مسلمي فلسطين عن التعليم الشرعي، حيث أدى انتشار التيارات العلمانية والقومية إلى إهمال الدين، كما انخفضت المراكز الاجتماعية والمكانة الوظيفية للأئمة والوعاظ والخطباء وتدنّت رواتبهم مقارنة يرواتب أقرانهم في المراكز الحكومية الأخرى. ونظراً لعدم كفاية عدد أهل العلم الشرعي في البلاد، تمّ استقدام الأئمة والوعاظ والمدرسين من مصر والشام.  أما الراغبون من أبناء فلسطين في التعليم الشرعي فكانوا يرتحلون إلى مصر والشام والعراق ويلتحقون بمعاهدها الدينية.  وفي ظلّ هذه الظروف كان لا بدّ من إعادة الهيبة للتعليم الشرعيّ والاهتمام به تعلّماً وتعليما، الأمر الذي دفع إلى إنشاء المدارس والمعاهد المتخصصة به.

 

الأسئلة المطروحة للمناقشة:

   تجيب الكلمة المقدّمة خلال الندوة عن الأسئلة الآتية:

1.    ما مفهوم التعليم الديني؟

2.    ما أهمية التعليم الديني، وأهمية الاهتمام به؟

3.    ما شكل مؤسسات التعليم الديني في القدس في التاريخ المعاصر؟

4.    ما خصائص مؤسسات التعليم الديني في القدس في التاريخ المعاصر؟

 

أولاً: مفهوم التعليم الديني:

عند إطلاق مصطلح "التعليم الديني" يخطر ببال السامع أن الأمر ربما يتعلق بالمفردات والمضامين والقيم والأعمال المرتبطة بالرلاسات السماوية المختلفة، أو قد يفهم السامعون ذلك بأشكال مختلفة.  فمن الممكن أن يفهم المسلم المصطلح على أنه تعليم علوم الشرع الإسلامي، بينما قد يفهمه غير المسلم على أنه تعليم اللاهوت أو التلمود.  ويتطلب ذلك تحديد المقصود بالتعليم الديني في هذه الندوة،  أو هذه الورقة على وجه التحديد.

ثمّـة أمرٌ قطعي لدى المسلمين، وهو أن القرآن الكريم كلام الله تعالى المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.  وقد أشار القرآن الكريم بوضوح أن الدين عند الله هو الإسلام،  ومن هنا فإن مصطلح "التعليم الديني" المعنيّ في هذا المقام إنما يشير إلى التعليم الشرعيّ، أي تعليم علوم الشرع الإسلامي وليس علوم اللاهوت أو التلمود أو غيرها.  فما هي علوم الشرع؟ ومتى يعتبر التعليم "تعليماً شرعياً"؟

علوم الشرع هي علوم القرآن الكريم، وعلوم الحديث الشريف، والعقيدة، والفقه وأصوله، والسير والمغازي، واللغة العربية.  وقد تحدّد تعريف التعليم الشرعي بأنه: "تعليم واحدٍ أو أكثر من العلوم الشرعية التي تتضمن القرآن الكريم وعلومه، والحديث الشريف وعلومه، والفقه وأصوله، والعقيدة الإسلامية، والسيرة النبوية، وأساليب الدعوة والخطابة".[5]   وعليه، يكون التعليم شرعياً حينما يركز على تعلّم القرآن وعلومه، والحديث الشريف وعلومه، والفقه الإسلاميّ وأصوله، والعقيدة الإسلامية وأصولها، والسير والمغازي، إضافةً إلى اللغة العربية التي بدونها لا يمكن فهم علوم الشرع.

وهذا يعني أن حديثي عن التعليم الديني في مدينة القدس في هذا اللقاء يقتصر على المدارس والمعاهد والدور التي اهتمت أو تخصصت بتعليم تلك العلوم أو بعضها.

وقبل الاسترسال في الإجابة عن الأسئلة المشار إليه آنفاً، أرغب بتحدبد ما أعنيه بالمدارس، والمعاهد، والدور.  أمّا المدارس فهي مؤسسات نظامية عاّمة للتعليم العام يلتحق بها الدارس بعد استيفاء شروطٍ محددّة ويحصل في نهاية الدراسة فيها على شهادة مدرسية تبين الموضوعات التي درسها ومقدار تحصيله فيها، وتخوّله متابعة دراسته في المعاهد النظامية إن رغب بذلك.  وأما المعاهد فهي مؤسسات نظامية عامة للتعليم بعد إنهاء مرحلة التعليم العام، أي أنها مؤسسات للتعليم الجامعي.  ويُقصد بالدور مؤسسات غير نظامية للتعليم المستمر وهي متخصصةُ في تعليم أحد مجالات علوم الدين الإسلاميّ، ويُمنح الدارس فيها بعد إتمام دراسته "إجازةً" أو تصديقاً بأنه درس أو أتقن الموضوع التي تخصصت فيه الدار.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك مدارس تضم في أسمائها كلمة "الإسلامية" إشارة إلى أن الجهات المشرفة عليها مؤسسات يديرها أفراد من المسلمين، وقد يكون بعضهم علمانياً أو قومياً، وهي ليست متخصصة بتعليم علوم الشرع الإسلامي، الأمر الذي يعني أنها ليست داخلة في موضوع هذه الندوة، وإنما استخدمت في تسميتها كلمة "الإسلامية" لتمييزها عن المؤسسات التي يُشرف عليها غير المسلمين.  كما تجدر الإشارة إلى أن تعليم مبحث التربية الإسلامية في المدارس الحكومية أو الخاصة لا يعتبر تعليماً دينياً، ذلك أن المدارس غير متخصصة بتعليم علوم الشرع من جهة، وأنها تعلّم مباحث ومواد دراسية متنوعة، كاللغة والرياضيات والفيزياء والتاريخ . ولا  يُطلق على ذلك التعليم تعليماً لغوياً أو رياضياً أو فيزيائياً أو تاريخياً ... من جهة أخرى، فكان القياس ألا يُطلق على مجرد تعليم مبحث التربية الإسلامية في المدارس العامة تعليماً دينياً، والله أعلم.

 

ثانياً: أهمية التعليم الديني (الشرعي)، وأهمية الاهتمام به:

معلومٌ بالنقل والعقل أن الله فرض على الإنسان –فرداً وجماعةً- أموراً وواجبات لا بد من تعلّمها والتعرّف إليها حتى يستقيم أمره.  فالفرد المسلم ملزمٌ بصحة الاعتقاد والتسليم وبالنقاء من الشرك، وبأداء فروض مفروضة (الصلاة والصيام والزكاة والحج) حتى يصحّ إسلامه ، مما يعني حاجته لتعلّم مستلزمات العقائد ومقتضياتها، وشروط أداء الفروض، وموانع وجوبها أو صحتها أو إجزائها.  كما أن الفرد والجماعة محتاجون إلى إجراء معاملات متنوعة فيما بينهم نحو البيع والشراء والنكاح والطلاق والإجارة والاستعمال والمصانعة وغير ذلك بشكل معتدٍ به من الشارع الحكيم، ذلك أن الدين الإسلامي دين عقيدة ومنهج حياة وعمل، الأمر الذي يتطلب تعلّم أحكام المعاملات المختلفة. ولمّا كان أداء العبادات والمعاملات وتحكيم الشرع الحنيف أموراً ضرورة وتستلزم التعلّم والإتقان، كان التعليم الديني (الشرعيّ) ضرورياً وذا أهمية كبيرة، لأنه لا يستقيم أمر الفرد أو الجماعة بدونه.

هذا ويمتاز المسلمون عن غيرهم من الأمم بالتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أمور لا تتمّ على غير علم، فجاء طلب العلم ابتداءً، ثمّ يترتب على حصوله العمل به، ونشره، وتعليمه.[6]   ومما لا شك فيه أنّ "نشر العلم والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تتمّ دون مقارعة الجهل والباطل، والوقوف في وجه الانحراف والبدع والضلال، [فـ]كان لا بدّ من علماء ودعاة مؤهلين للإصلاح والتغيير، والدعوة على بصيرة.  ولهذا، جاء الاهتمام بالعلوم الشرعية التي هي وسيلة للاستقامة مع الله وإحسان عبادته وإخلاص التوجّه إليه، والوفاء بالعهد والأمانة، وحسن المعاشرة".[7]

إن العلم الشرعي ضروريّ للراعي والرعية، والاهتمام به منهما أمر لازم، وإن كليهما بحاجةٍ إلى التفقه في الدين، كما الأمر بالنسبة للدعاة.  فالداعية يخالط الناس ويًرشدهم إلى الأحكام الشرعية ويُفتيهم ويُجههم، وإن من أقدر الدعاة على التأثير في الناس وحملهم على السماع لهم والتغيير في مجريات حياتهم الدعاة المتخصصون في العلم الشرعيّ.  يقول الدكتور أبو فارس: "فالأصل في أصحاب الولايات أن يكونوا أصحاب علمٍ ودراسةٍ في الشرع، لأنهم مسؤولون عن تنفيذه وحمل الناس عليه وزجرهم عن مخالفته، وهذا الصنف من الناس متفرّغون للدعوة والتوجيه والتربية، وهم يتحركون بهذا الدين، ويخاطبون به جميع الناس على اختلاف أديانهم، فمن كان غير مسلمٍ جادلوه بالتي هي أخسن وحاولوا هدايته، فإن اهتدى فقد أراد الله له خيراً كثيراً، ومن بقي على ضلاله فقد أقاموا عليه الحجة وبسطوا له الأدلة.  ومن كان مسلماً علموه، وفقهوه، وأمروه، ونهَوْه ليستمرّ على طريق الهدى والخير والرشاد".[8]

ومما يبرر الاهتمام بالتعليم الديني (الشرعيّ) في الحياة المعاصرة أن هناك أخطاراً تهدّد المسلمين في القدس وبلاد المسلمين، منها: الغفلة والترف والاستهانة بتعاليم الإسلام، والانحراف عن حقيقة التصور والسلوك القويمين السليمين، والمحاولات الشيطانية العلمانية لإقصاء الدين عن حياة الناس فكراً ومنهجاً وإضعاف الولاء لله والبراء من الشيطان. ولمواجهة تلك الأخطار وغيرها، لا بدّ  من صحوة تعيد للناس والأمة أمجادهم، الأمر الذي يعني الحاجة للتعليم الشرعي، حيث يوجه أهل العلم الشرعيّ أفراد الصحوة وينأون بهم عن المزالق والمحاطر والتطرّف.[9]

 

ثالثاً: مؤسسات التعليم الديني في القدس في التاريخ المعاصر:

سبقت الإشارة إلى أن مدينة القدس حظيت باهتمام بالغ من أفراد المسلمين وزعمائهم عبر الحقب التاريخية المختلفة، وبخاصة في مجالي العمران والتعليم.  وتقتصر هذه المحاضرة على الحديث عن التعليم الديني (الشرعي) المعاصر في مدينة القدس، بينما يمكن لمن يود الإحاطة بتاريخ التعليم ومعاهده في المدينة المباركة الرجوع إلى كتب تخصصت في تبيان معاهد التعليم في بيت المقدس، منها: "المدارس في بيت المقدس في العصرين الأمويّ و الملوكيّ" للدكتور عبد الجليل عبد المهديّ، و"معاهد العلم في بيت المقدس" للدكتور كامل العسليّ.

وفي التاريخ المعاصر، لم تعرف مدينة القدس منذ سقوط الدولة العثمانية تعليماً دينياً (شرعياً) حتى منتصف العام 1958م.  أشار عارف العارف إلى أنه عقب نكبة عام 1948م كثرت المدارس واشتدّ الإقبال عليها في مدينة القدس، لكنه لم يُشر إلى وجود مدارس ومعاهد دسنسة إسلامية تهتم بالتعلمي الشرعي خلال الفترة 1948– 1958م .[10]

يوجد في القدس[11] حالياً [العام 2004م] ثلاثة أنواع من المؤسسات المهتمة بالعلم الشرعيّ، وصنّفت إلى: المدارس، والمعاهد، والدور.  ويبين الجدول (1) هذه المؤسسات.[12]

 

الجدول ( 1 )

مؤسسات التعليم الديني (الشرعي) في القدس

 

المؤسسة

سنة التأسيس

جهة الإشراف

المستوى

مجال الخريجين

ثانوية الأقصى الشرعية

1958

دائرة الأوقاف الإسلامية

إعدادي وثانوي

إمامة، وعظ وإرشاد، التدريس، العمل في المحاكم الشرعية، الالتحاق بالجامعات

الثانوية الشرعية للبنات

1978

دائرة الأوقاف الإسلامية

إعدادي وثانوي

التدريس، الالتحاق بالجامعات

كلية الدعوة وأصول الدين

1978

جامعة القدس

جامعيّ

إمامة، وعظ وإرشاد، خطابة وتدريس، إفتاء، قضاء، والمحاماة الشرعية.

كلية القرآن والدراسات الإسلامية

1996

جامعة القدس

جامعيّ

إمامة، قراءة، تدريس، وعظ وإرشاد

دار القرآن الكرم

1972

دائرة الأوقاف الإسلامية

تعليم مستمر

ذاتــــــــي

دار الحديث الشريف

1979

دائرة الأوقاف الإسلامية

تعليم مستمر

ذاتــــــــي

 

أولاً: المدارس:  هناك مدرستان للتعليم الديني (الشرعيّ) في المدينة، هما: مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية للبنين، والمدرسة الثانوية الشرعية للبنات.

*    [ أ ]  مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية للبنين:

أنشئت مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية عام 1958م تحت اسم "المعهد العلميّ الإسلامي"، ثمّ أصبحث تحمل اسمها الحاليّ منذ عام 1963م.   اقتصرت حتى عام 1991م على المرحلة الثانوية، ثم ضمت المرحلة المتقدّمة من المرحلة الأساسية (السابع فما فوق) بعد ذلك التاريخ.  وتقع المدرسة حالياُ في الأروقة الشمالية الشرقية للمسجد الأقصى المبارك ما بين بابي "الأسباط" و"حطة".

كان الهدف الرئيسي للمدرسة حين تأسيسها الإعداد الوظيفي لمنتسبيها من أجل شغل وظائف التدريس والوعظ والإمامة، وكان يتمّ توظيفهم حال تخرجهم وإنهاء الصف الثالث الثانوي وحصولهم على "إجازة" خاصة بذلك.  وكان قسم محدود من الطلبة يتابع دراسته خارج فلسطين وخصوصاً في الأزهر الشريف.  تطور الهدف لاحقاً ليصبح تثقيف الطلبة والارتقاء بوعيهم الدينيّ.

وفيما يتعلق بمناهج التدريس، فقد كانت الدراسة في السنوات الأولى تركز على تعلّم العلوم الشرعية، وهي: القرآن الكريم والتفسير، والحديث الشريف، والفقه، والتوحيد، والسيرة النبوية، والوعظ والثقافة الإسلامية، واللغة العربية، والتاريخ الإسلاميّ.  وفي مرحلة لاحقة، أدخلت مواد مساندة، وهي: الجغرافية واللغة الإنجليزية والعلوم والرياضيات والفلسفة.  والمتتبع لطبيعة الكتب المقررة ومضامينها يلحظ أنها كانت أكثر عمقاً في السنوات الأولى، بينما اتجهت نحو التوسع الأفقي في السنوات اللاحقة، خيث توسعت المعارف وتنوعت المواد ظاهرياً، مما أدى إلى التراجع في التعمق والمضمون.

والدراسة في ثانوية الأقصى حالياً متاحة لكل طالب يكمل الصف السادس الأساسيّ، وتتبع المدرسة الأنظمة والتعليمات المحددة لدى وزارة التربية والتعليم، وتستخدم مقررات المواد الشرعية المعتمدة من قبل وزارتي التربية والتعليم والأوقاف الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية، ومقررات المواد الدراسية غير الشرعية المعتمدة لدى وزارة التربية والتعليم الفلسطينية.

 

*    [ب]  المدرسة الثانوية الشرعية للبنات:

المدرسة في واقعها الحالي صورة عن مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية من حيث أهدافها ومنهجا وأنظمة الدراسة فيها، غير أنها تختص بالإناث.  وقد أضفت هذه الميزة الخاصة للمدرسة باعتبارها مدرسة دينية إسلامية للبنات في القدس نكهةً مميزة على الحياة النسائية في المسجد الأقصى والميدنة وقراها بشكل عام من خلال اللباس الشرعي المحتشم الذي تزينت به طالبات المدرسة.  

أنشئت المدرسة مدرسةً مستقلةً عام 1978م تحت إشراف دائرة الوقاف الإسلامية في القدس بينما كان التعليم الديني (الشرعي) للبنات يتم فبل ذلك التاريخ [ما بين الأعوام 1970- 1978] في أروقة مدرسة دار الطفل العربي للبنات.  وتقع المدرسة في الجانب الجنوبي الغربي من المسجد الأقصى المبارك بجانب مئذنة باب السلسلة.  والدراسة فيها متاحة للطابات الراغبات اللواتي ينهين الصف السادس الأساسي بنجاح.

ثانياً: المعاهد:  هناك معهدان للتعليم الديني (الشرعيّ) في المدينة، هما: كلية الدعوة وأصول الدين، وكلية القرآن والدراسات الإسلامية.

*    [ أ ]  كلية الدعوة وأصول الدين: مرت الكلية بمراحل متعددة منذ نشأتها عام 1978م، وهي الآن إحدى كليات جامعة القدس وتقع في أحد المباني التابعة لجامعة القدس في بلدة أبو ديس/ القدس.  تطورت أهدافها عبر عشرين عاماً، وهي في مجملها على النحو الآتي:

1.     إبراز مكانة القدس الدينية والعلمية والتأكيد على طابعها الإسلاميّ.

2.     إعداد الدعاة المؤهلين للوعظ والإرشاد والتدريس.

3.     مواجهة التيارات الفكرية المستوردة.

4.     الارتقاء بمستوى التعليم الشرعي من المرحلة المدرسية والمتوسطة إلى المرحلة الجامعية.

5.     ترسيخ معنى الشمول في القرآن الكريم والفكر الإسلامي.

6.     تنمية قدرات الشباب التعليمية وتوسيع مداركهم وثقافتهم.

7.     تنمية الوعي بمشاكل المجتمع وقضاياه والاهتداء إلى حلّها من خلال القرآن الكريم.

8.     تنمية روح المسؤولية نحو العمل والأسرة والمجتمع وطاعة الله. وتتضمن المواد الدراسية التي يدرسها منتسبو الكلية مواد شرعية، وهي: القرآن وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، واللغة العربية، والسيرة وأعمال الخلفاء الراشدين، وأساليب الدعوة، إضافة إلى تطبيقات عملية في الخطابة والتدريس، ومواد غير شرعية تتضمن اللغة الإنجليزية وبعض المساقات النفسية والاجتماعية والتربوية.

 

*    [ب]  كلية القرآن والدراسات الإسلامية: بناءً على قرار رئاسيّ فلسطينيّ تم تحويل كلية العلوم الإسلامية (التي كانت معهداً شرعياً متوسطاً منذ العام 1978م) من كلية مجتمع متوسطة إلى كلية جامعية تعنى بالقرآن الكريم وذلك منذ عام 1996م.  والناظر في الخطط الدراسية للكلية يجد أنها تعنى بتدريس بعض المواد في علم القراءات وعلوم القرآن بشكل عام، ومواد شرعية عامة، ومواد جامعية عامة بحسب أنظمة الدراسة في جامعة القدس.

        تطورت أهداف الكلية عبر تاريخها الفتيّ، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي:

1.           إحياء علم القراءات في المجتمع الفلسطيني.

2.    العناية بتطوير الدراسات افسلامية المتعلقة بالحضارة الإسلامية، ومواكبة الثقافة العالمية وتطورها.

3.           الاهتمام بالمدينة المقدسة من أجل الحفاذ على معالم القدس العربية الإسلامية.

4.           توفير الأئمة والوعاظ ومدرّسي القرآن والمحامين الشرعيين.

5.           تعميق الوعي الديني لدى أبناء المجتمع وغرس الشعور بالمسؤولية تجاه الدين والوطن.

 

ثالثاً: الدور: هناك داران للتعليم الدينيّ (الشرعي) في المدينة، هما: دار القرآن الكريم، ودار الحديث الشريف.

*    [ أ ]  دار القرآن الكريم:  تقع الدار في المسجد الأقصى المبارك، ولها فروع في كثير من المساجد في مدينة القدس، وهي مهتمة بتعليم أحكام التلاوة والتجويد، وتحفيظ القرأن الكريم.  تتولى دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس الإشراف عليها.

 

*    [ب]  دار الحديث الشريف:  تقع الدار أيضاً في المسجد الأقصى المبارك، وهي مهتمة بنشر الثقافة "الحديثية" وتدريس موضوعات شرعية عامة.  تولى الإشراف عليها دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس.

 

رابعاً: خصائص مؤسسات التعليم الديني في القدس في التاريخ المعاصر:

يلاحظ أن مؤسسات التعليم الشرعي تتميز بشكل عام بالأمور الآتية:

1.    أنها مؤسسات رسمية عامة، وليس مؤسسات شعبية أو جمعيات خيرية.

2.    أن دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس هي الراعي الأول لها جميعاً، وأما كليتا الدعوة وأصول الدين، والقرآن والدراسات الإسلامية فقد انتقلتا بفعل الظروف السياسية اللاحقة في التسعينيات إلى ملاك جامعة القدس.

3.    أن أهدافها تركّز على أمرين، هما: نشر العلم والمعرفة والوعي لدى المنتسبين، والإعداد الوظيفي للمنسبين والخريجين.

4.    أن هناك نوعاً من التداخل في أهداف المعهدين الجامعيين (كلية الدعوة وأصول الدين وكلية القرآن والدراسات الإسلامية)، وخططهما الدرسية وأنشطتهما التعليمية.

وعلى الرغم من الرغبة المصرح بها أن ثمة هدفاً يتلخص في الإعداد لمواجهة التيارات المنحرفة والفاسدة، والمحافظة على معالم القدس العربية الإسلامية، ورفع مستوى المسؤولية نحو الأسرة والمجتمع، لكن ثمار ذلك غير ملموسة.  كما يلاحظ افتقار خطط المؤسسات المشار إليها ومناهجها من الإعداد لمواجهة القضايا الحديثة والمتغيرات المتسارعة، وإعداد المفكرين والعلماء القادرين على التفكير بحلولٍ جديدة للقضايا الحديثة في الميادين الاجتماعية، والاقتصادية، والطبية، والثقافية، والسياسية، وغيرها.

 

الخاتمة:

يبدو أن التعليم الديني في القدس –وغيرها من المدن والبلاد الإسلامية- يواجه خطراً كبيراً، وقد بات في أذهان عددٍ من الرعاة والرعية على قدر قليل من الأهمية، بل وإن هناك أصواتاً تطالب بمراجعته والاختصار من الجهد والوقت المخصصين له. 

إن ما ينبغي التأكيد عليه في هذا المقام أن التعليم الديني (الشرعي) في القدس ضرورة شرعية، واجتماعية، وسياسية.  أما أنه ضرورة شرعية، فذلك أن به يُعرف الحق من الباطل، والحلال من الحرام.  وأما أنه ضرورة اجتماعية، فذلك لترسيخ الهوية العربية الإسلامية، والقيم والأخلاق في التعامل والحياة الاجتماعية.  وأما أنه ضرورة سياسية، فذلك لإظهار الثقل والطابع الإسلاميين في المدينة المقدسة.  ويبدو أنه لا بدّ من أن يكون لطلبة العلم الديني (الشرعي) وخريجيه متميزين بلباس أو مظهر خاص يعرفهم الناس به فيرجعون إليهم يستهدونهم ويستفتونهم، ولا يركنوا إلى من لا علم له، والله أعلم.

 
 

 المراجع:

1.     ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، 1979، فضائل القدس، بيروت: دار الفكر.

2.     أبو فارس، محمـد عبد القادر، 1992، أسس في الدعوة ووسائل نشرها، عمّان: دار الفرقان.

3.     عابدين، محمد عبد القادر، 1998، تاريخ التعليم الشرعي في مدينة القدس، القدس: مركز القدس للأبحاث والتوثيق.

4.     العارف، عارف، 1961، المفصّل في تاريخ القدس، الجزء الأول، القدس: مكتبة الأندلس.

5.     العسليّ، كامل، 1981، معاهد العلم في بيت المقدس، عمّان: جمعية عمال المطابع التعاونية.

6.     محجوب، عباس، 1987، أصول الفكر التربوي في الإسلام، دمشق: دار ابن كثير.

7.     الهندي، علاء الدين علي، 1993، كنز العمّال في سنن الأقوال والأعمال، الجزء 12، بيروت: مؤسسة الرسالة.

8.     يوسف، محمد السيد، 1997، التمكين للأمة الإسلامية، القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر.


 

[1] سورة الإسراء: الآية (1)

[2] الهندي،  كنز العمال في سنن الأقوال والأعمال، 1993، الجزء 12، ص197، الحديث رقم 34648.

[3] ابن الجوزي، فضائل القدس، 1979، ص95.

[4] العسلي، معاهد العلم في بيت المقدس، 1981.

[5] عابدين، تاريخ التعليم الشرعي في مدينة القدس ما بين 1948- 1998، 1998، ص19.

[6] محجوب، أصول الفكر التربوي في الإسلام، 1987.

[7] عابدين، تاريخ التعليم الشرعي في مدينة القدس ما بين 1948- 1998، مصدر سابق، ص32.

[8] أبو فارس، أسس في الدعوة ووسائل نشرها، 1992، ص24.

[9] يوسف، التمكين للأمة الإسلامية، 1997.

[10] العارف، المفصل في تاريخ القدس، الجزء الأول، 1961.

[11] القدس مدينة عربية سقط القسم الغربيّ منها عام 1948م بيد القوات اليهودية حيث تمّ تأسيس دولة "إسرائيل"، ثمّ سقطت المدينة كلها بيد القوات الإسرائيلية عام 1967م.  ويشيع استخدام مصطلحين لدى السياسيين المحليين والغرباء، هما: القدس الغربية، والقدس الشرقية للإشارة إلى الجزئين اللذين سقط عام 1948م وعام 1967م.  وتوجد مؤسسات التعليم الديني (الشرعي) موضوع الحديث في هذه المحاضرة في القسم الشرقي من المدينة الذي سقط عام 1967م.

[12] المعلومات الواردة مختصرة من كتاب الدكتور محمد عابدين، "تاريخ التعليم الشرعي في مدينة القدس ما بين 1948- 1998"، 1998، القدس الشريف: مركز القدس للإبحاث والتوثيق.

 
 

 

 

PASSIA
The Palestinian Academic Society for the Study of International Affairs, Jerusalem

Tel: +972-2-6264426 / 6286566 • Fax: +972-2-6282819
P.O.  Box 19545,  Jerusalem
Email:
passia@palnet.com
Copyright © PASSIA