| PASSIA | ![]() |
|
|
|
||
| Home > Dr. Mahdi Abdul Hadi > |
|
|
د.
مهدي عبد الهادي
القدس
نيسان 2003

بعد عشر سنوات من الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود في سلطته وجغرافيته،
وبعد مئات الجلسات والمؤتمرات في المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، المتكررة والمتداخلة والمتعثرة، يعيش الفلسطينيون
اليوم "نكبة" جديدة فاقت في مضمونها وآثارها نكبة 1948.
إن مدن وقرى ومخيمات الضفة والقطاع أصبحت "جُزراً" معزولة
عن بعضها ومحاصرة بطرق التفافية ومستوطنات وأسلاك شائكة وخنادق ترابية، تقتحمها
قوات الإحتلال ليلاً ونهاراً، والشعب أصبح أسيراً ومقيداً بحواجز عسكرية تشكل
"ثقافة" الحقد والانتقام يموت عندها الناس قهراً وذلاً ناهيك عن
شدة الفقر وازدياد البطالة والحاجة.
والسلطة الوطنية قُصفت وهُدمت مواقعها، وقُتلت واعتُقلت معظم قياداتها،
وشُلّت أعمالها، كما وأصبح قائدها سجيناً في مقره، وعُدنا في صراعنا مع الإسرائيليين
إلى مرحلة "إنكار الآخر" غضباً وخوفاً وكراهية في مسلسل من "المعارك"
تحكمها عقلية الإنتقام الإسرائيلي ومقاومة الفداء أو الإنتحار الفلسطيني.
وعلى الرغم من مآسي وأساطير هذه النكبة، وخيبة الأمل في "الفعل
العربي" و "الضغط الغربي" إلا أن البيت الفلسطيني بقي يشهد
ازدواجية في الرؤية والمنهج بين من قيل عنهم "الأهل من
الخارج" (المقاومون)، و
"مواطني الداخل"،
(الصامدون)، ومحاولات
لم تكتمل "للإنصهار" معاً في "مجتمع الوطن" الذي لا يملك
أحد سواه ولا بديل ممكن عنه. وفي معظم الأحيان، تغيب الرؤية أمام الطرفين نتيجة
لسنوات "الغربة" التي عاشها العائدون في مجتمعات متعددة، ولسنوات
"الأسر" الإسرائيلي التي احترق فيها الكثيرون بالإضافة إلى آثار
تضارب المصالح وتداخل المواقف وتنافس "النخب السياسية" بالإضافة
إلى الاشتباك التفاوضي والميداني مع الطرف الآخر.
وأمام هذا المشهد، تراكمت المشاريع والمقترحات الأمريكية والأوروبية
إلى أن جُمعت في "سلة الكوارتيت" الرباعية (الأمم المتحدة، الولايات
المتحدة، روسيا، أوروبا)، تدعو إلى "التغيير" في القيادة والمطالبة
في "الإصلاح" في أجهزة الحكم وإدارة المال و "الفعالية"
في الامن، ولا يختلف اثنان، أن رياح عاصفة التغيير المطلوب، كانت "داخلية"
منذ سنوات حين تحركت شرائح المجتمع وارتفعت الأصوات تدعو إلى القيام "بانقلاب
أبيض" وبالتحديد، دعوة عرفات شخصياً للقيام بدور قائد الإنقلاب على نفسه
ومنهجه قبل فوات الأوان، الأمر الذي كان مستحيلاً، كما أنه أغضب المسؤولين
في مؤسسات وأجهزة الأمن، والذين رفضوا الاقتراح وادعو أنهم "شركاء"
في القيادة والحكم وليس موظفين في السلطة،
يمكن عزلهم أو نقلهم
أو إحالتهم على التقاعد، ولعلهم اعتقدوا يومها أن الوطن أو مؤسسات م.ت.ف.
هي "شركة مساهمة" يملكها عدد من المساهمين، أو "المؤسسين"
ولكل منهم الحق في ادعاء ملكيتها
والمطالبة "بحصصه" فيها.
واختصاراً للتفاصيل الكثيرة والمثيرة، وافق الرئيس ياسر عرفات على"شروط"
الضاغطين الأجانب "ومطالب" الغاضبين الفلسطينيين، وأعلن عن استحداث
منصب رئيس وزراء لتولي مسؤولية السلطة التنفيذية؛ وطرحت ثلاثة خيارات لتشكيل
المنصب، أبدى الرئيس رغبته في تبني النموذج الأول وهو "حريري لبنان"،
الذي يجمع بين صاحب رأس المال الراغب والحريص على الاستثمار والتكنوقراطي ذو
القدرات الإدارية والسياسي في حقيبة دبلوماسية. وسرب للإعلام اسم مرشحه للمنصب،
الذي صدق الإشاعة ولهث وراءها كحقيقة ممكنة. والنموذج الثاني، كان في حجم "وظيفة"
رئيس الوزراء في مصر وسوريا وأن لنا أن نحترم "الجار" ولا نزاود
عليه، أما الثالث، وهو "المسؤول الأول" والمتحفظ منه، فكان يتمثل
في النموذج البريطاني وعلاقته بالملكة التي "تملك ولا تحكم".
سارعت فتح كقبيلة سياسية في الدفاع عن تاريخها وانجازاتها، ورفضت أن
يتولى المسؤولية الجديدة أحد من خارج صفوفها، وحريصة على قيادة الحركة الوطنية
(الحزب الحاكم)، فقام المجلس المركزي لفتح بتسمية أحد مؤسسي الحركة (أبو مازن)،
ثم اعتمد المجلس التشريعي (أغلبية من فتح) استحداث هذا المنصب وتعديل النظام
الأساسي، والآخذ بالنموذج الثالث خاصة في علاقة رئيس الوزراء برئيس الدولة،
على الرغم من محاولات اللحظة الأخيرة لإضعاف ذلك!
وعلى ضوء ذلك، تباينت مواقف الناس، فريق يرى أن هناك "الأمل"
في أن التغيير والإصلاح سيكون بداية لنهاية حقبة ماضية والانتقال من فكر ومنهج
"الثورة حتى النصر"، إلى فكر ومنهج "بناء الدولة". وفريق
على غير اقتناع في تنفيذ هذا التعديل ولا يزال في مرحلة "التشكيك"
وأن الأمر جاء ونتيجة مباشرة للضغوط الخارجية، وأن قبوله على مضض هو جزء من
مناورات التكتيك السياسي ضمن استراتيجية "البقاء" والمحافظة على
الذات للقيادة. وآخرون، والذين يمثلون الأغلبية الصامتة يعتقدون بأن هذا التغيير
لن يأتي بأية نتيجة ما دام شارون في الحكم في إسرائيل.
أعلن محمود عباس (أبو مازن) قبوله التكليف برئاسة وتشكيل الحكومة، وبدأ
مشاوراته، علماً بأنه طوال السنوات العشرة الماضية منذ أوسلو 1993، كان قد
ابتعد عن مسؤوليات الحكم، وتجنب أي منصب في السلطة، واكتفى في تكليف المنظمة
تولى مسؤوليات التفاوض مع إسرائيل.
وفي مداولات تشكيل الوزارة، تعددت الاجتهادات ومن اقتراح عرفات الإبقاء
على جميع الوزراء في مواقعهم، "فرجالي هم رجالك"، وبهذا يؤكد الاستمرارية
والولاء. وأصبحت المهمة الصعبة أمام أبو مازن الموازنة بين تجنب الخلاف مع
عرفات أو إستنفار الغاضبين في حركة فتح أو رجال عرفات المتمسكين بمقاعدهم الوزارية،
وأيضاً في استمرار الدعم العلني ومساندة القبيلة الفتحاوية له.
وجاء الاقتراح الآخر من ثلاث فصائل بتسمية مرشحيها لمناصب وزارية، والمهمة
الصعبة أمام أبو مازن أنه في حاجة لاستيعاب الفصائل في برنامجه السياسي الداعي
لوقف الانتفاضة المسلحة، وعليه إرضاء الراغبين وأيضاً الرافضين من الفصائل
للتعاون معه، وإن في عدم تجاوبه مع طلباتهم "الصغيرة"، سيعني استنهاض
معارضتهم له إن لم يكن عرقلة مهمته.
أما فعاليات المجتمع المدني والنخب السياسية فيه فكانت تبحث عن "مضمون"
برنامج الحكومة قبل أسماء أشخاصها، وتريد معرفة صلاحيات الوزراء قبل ألوان
فصائلها، بالإضافة إلى دعوتها المستمرة للإصلاح والفصل بين السلطات ولكن في
مقاعد "المتفرجين" وليس "المشاركين"!.
والمهمة الصعبة أمام أبو مازن أنه في حاجة لكفاءات أصحاب أهل الاختصاص
من المستقلين وقادة المنظمات الأهلية وتحمل مسؤوليات المرحلة نجاحاً أو فشلاً...
أما موقف الفصائل الإسلامية فكان خلال "حوار المصلحة المتبادلة"
في غزة، إن الأولويات هي في رفع الحصار والإغلاق، ووقف عمليات الغزو العسكري
والاستيطاني، ومسلسل القتل والدمار وإطلاق سراح المعتقلين، واسقاط "لائحة
الإرهاب" عن رجال ومؤسسات الحركة الإسلامية قبل الموافقة على "الهدنة"
المطلوبة لإنجاح برنامج أبو مازن وأيضاً دونما "المشاركة" فيه أو
معه.
والمهمة الصعبة أمام الرجل أنه يريد التأثير على الرأي العام الإسرائيلي
بإحداث "التغيير" الفلسطيني كمدخل لإعادة بناء "جسور"
التفاوض تمهيداً لعقد "الهدنة الميدانية" مع الطرف الآخر والتي توفر
للبيت الفلسطيني مساحة زمانية ومكانية للتنفس بحرية كمجتمع وطني، ومن ثم مطالبة
واشنطن ولندن فرض "ضغوطات" على الحكومة الإسرائيلية ومنها تنفيذ
"خطة الطريق" دونما تعديل وفي اطارها الزمني المعلن.
لكن ما يتقدم على وضع برنامج الحكومة أو تشكيلها هو في قدرة وإمكانيات
أبو مازن في أن يكون كل هذا المطلوب منه، وينجز المهام المستحيلة، أم أنه سينتهي
الى استقالة مبكرة، أم أنه سيفاجئ الجميع بعبور المسافة بين "الموظف المكلف
بمهمة إلى "الشريك في اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليات القيادة في مرحلة انتقالية
قد تطول!
هل سنراه يبني جسور وأدوات التواصل مع الناس في مدنهم وقراهم ومخيماتهم
للتعرف عليهم، والتعريف بنفسه ومهمته ويظهر في نابلس وجنين والخليل كما في
رفح وغزه، يبني مصداقيته ويحرص على شرعيته الوطنية يفرض القانون والنظام وتوفير
"الأمن الفلسطيني" الذي غاب طويلاً ومن خلال جهاز قضائي قوي ومستقل.
قبل أن نراه في واشنطن ولندن وباريس وبرلين يتقبل "الاعتراف الدولي"
بشخصه ومهمته وأيضاً في مرحلته!.
هل سيتمكن أبو مازن من "إقناع" الطرف الإسرائيلي بأن نجاح
وفشل مهمته يعتمد على مدى "تجاوب " أقطاب الحكم والعسكر في إسرائيل
برفع المعاناة عن الناس و "التراجع" عن مخططات التهويد والعزل والحصار.
والخلاصة، بين ما هو ممكن و ما هو مستحيل في مهمة أبو مازن وثوراته
أمام هذه التحديات، هو في مدى وعي الناس على خطورة هذه المرحلة "وتوظيف"
علاقاتهم مع الرجل ومهمته كمدخل لانتهاء حقبة سياسية ماضية وليس استمراراً
لها!!.
وأيضاً، تكون "عودة الوعي" عاملاً مهماً في فتح النافذة أمام
"أدوات التغيير" في المجتمع الفلسطيني، وفي مقدمتها مؤسسات ونخب
المجتمع لتعمل مجتمعة لمعالجة جراح "النكبة" الجديدة، بدءاً في وقف
النزيف الفلسطيني، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وتعلمياً وفي مأسسة الديمقراطية
في دولة القانون، تمهيداً لانتخابات عاجلة، تفرز قيادات وتعزز في نفس الوقت
مواقع قيادات حالية
تشترك معاً في تحمل أمانة المسؤولية في بناء الوطن الفلسطيني!
*
*
* *
PASSIA
The Palestinian Academic Society for the Study of International Affairs, Jerusalem
Tel: +972-2-6264426 / 6286566 Fax: +972-2-6282819
P.O. Box 19545, Jerusalem
Email: passia@palnet.com
Copyright
© PASSIA